هل أنت مع رش السكر على المعمول .. أم وضعه داخله؟!
محمود الدباس - أبو الليث
22-03-2026 12:14 AM
قبل أيام.. كتبت مقالاً عن هموم الناس.. حاولت فيه أن أكون واضحاً بقدر ما أستطيع.. دقيقاً دون مبالغة.. وجريئاً دون تهور.. جلست يومين وأنا أجمع المعلومات والافكار.. أراجع الأرقام.. أختبر المفردات.. وأعيد صياغة الجمل.. حتى لا تُفهم على غير مقصدها.. وحتى تصل كما هي.. للمواطن الذي يعيش هذا التعب.. وللحكومة التي يُفترض أن تسمعه..
أحد المتابعين.. مشكوراً.. قام بمشاركة المقال على إحدى الصفحات.. دخلت أكثر من مرة لأتابع.. لا بدافع الفضول فقط.. بل لأرى ردود الناس.. لأفهم كيف وصلهم الكلام.. وهل أصاب موضعه أم لا.. فكانت النتيجة.. إعجابان فقط.. أحدهما من الشخص الذي شاركه..
في نفس الصفحة.. وبعد وقتٍ قصير من مشاركة مقالي.. نُشر منشور آخر.. لا علاقة له بأي همٍّ عام.. مجرد سؤال بسيط.. هل أنت مع رش السكر على المعمول.. أم وضعه داخله؟!..
توقفت.. وعدت لأتأكد أنني أرى جيداً.. عشرات الآلاف من التعليقات.. ومئات الآلاف من الإعجابات.. وكأن الموضوع يمس حياة الناس بشكل مباشر..
لم يكن المشهد عابراً بالنسبة لي.. بل صادماً.. لأن الفارق لم يكن في عدد المتابعين.. ولا في وقت النشر.. بل في نوع ما نختار أن نتفاعل معه..
هنا فقط بدأت أطرح السؤال على نفسي قبل أن أطرحه على غيري.. أين نحن مما ندّعيه عن أنفسنا؟!.. كيف نقول إننا نهتم.. ونفهم.. ونتابع.. ونحلل الهم الداخلي والخطر الخارجي.. ثم نمرّ على ما يمسنا مرور الكرام.. ونتوقف طويلاً عند ما لا يضيف لنا شيئاً..
ولأنني أتابع بعض الصفحات الأجنبية.. وجدت الصورة مختلفة تماماً.. منشورات سياسية واقتصادية معقدة.. وتحتها آلاف التعليقات التي تناقش وتحلل وتفكك.. ليس مجرد رأي عابر.. بل محاولات فهم حقيقية.. حتى أن بعض التعليقات هناك.. تصلح أن تكون مقالات قائمة بذاتها..
عندها فقط.. شعرت أننا نستخدم نفس الأدوات.. لكن بطريقة مختلفة تماماً.. نحن لا ينقصنا الوصول.. ولا القدرة.. لكننا نُصرّ على أن نجعل هذه المساحة مكاناً للهروب.. لا للفهم.. نركض خلف ما هو خفيف وسريع.. وحتى تافه.. ونترك ما يحتاج منا أن نتوقف ونفكر..
وأقولها كما شعرت بها في تلك اللحظة.. نحن بعيدون كثيراً عن الصورة التي نرسمها لأنفسنا.. ليس لأننا لا نستطيع أن نكون أفضل.. بل لأننا لم نقرر بعد أن نكون كذلك..
وما يزيد الأمر خطورة.. أن هذا كله ليس خفياً.. فعدونا يتابع.. وخوارزميات التطبيقات ترصد كل إعجاب.. وكل تعليق.. فيقرأ من خلالها صورة واضحة عنا.. يعرف ماذا يشدنا.. وماذا نتجاهل.. وكيف يمكن التأثير علينا.. وحرف بوصلتنا دون عناء..
أما مَن يسير في هذا الطريق.. طريق الكتابة ومحاولة الإصلاح.. فلا أملك إلا أن أقول ما قلته لنفسي قبل غيري.. الصبر الصبر.. فهذه الطريق لا تُقاس بسرعة التفاعل.. ولا بعدد الإعجابات.. بل بقدرتك على الاستمرار.. حتى وإن شعرت أن صوتك يمرّ خافتاً بين هذا الضجيج..
بدنا فت خبز كثير..