الأردن في مرمى الاستهداف .. عندما يصبح الاستقرار تهمة
محمد نور الدباس
22-03-2026 03:19 PM
في زمنٍ تُكافأ فيه الفوضى ويُعاد فيه إنتاج الأزمات كأدوات نفوذ، لم يعد مستغربًا أن يتحول الاستقرار ذاته إلى تهمة، نعم، هكذا يبدو حال الأردن اليوم؛ دولةٌ لم تسقط في هاوية الانهيار رغم كل ما يحيط بها، لكنها تُستهدف وكأنها ارتكبت خطيئة الصمود.
الهجوم المستمر على الأردن ليس مجرد نقد عابر، ولا حتى تعبيراً طبيعياً عن اختلاف في وجهات النظر، أي إنه، في جانبٍ كبير منه، نتاج بيئة إقليمية مضطربة ترى في التوازن تهديدًا، وفي الاعتدال انحرافًا عن الاصطفاف، وفي الاستقرار عقبة أمام مشاريع الفوضى المنظمة.
فمن يتأمل خريطة المنطقة يدرك سريعًا أن الأردن لا يعيش على هامش الأحداث، بل في قلبها، بل يجاور بؤر اشتعال مزمنة، ويتقاطع مع ملفات سياسية شديدة التعقيد، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، فهذا الموقع لا يمنحه فقط أهمية استراتيجية، بل يجعله أيضاً هدفاً دائماً لمحاولات الضغط والتشويه، لأن من يضبط إيقاعه يملك ورقة مؤثرة في معادلة الإقليم.
لكن المشكلة الأعمق أن الأردن اختار طريقاً صعباً؛ فلا هو منخرطاً في محاور الصراع، ولا هو مستسلماً لسياسة القطيعة، تبنى نهجاً براغماتياً يحاول التوفيق بين المتناقضات، وهو خيار لا يرضي المتطرفين في أي معسكر، فالمعتدل، في زمن الاستقطاب، يصبح متهماً من الجميع؛ أي متخاذلًا في نظر المتشددين، ومزعجاً في حسابات اللاعبين الكبار.
ولعل أكثر ما يثير حساسية بعض الأطراف هو الدور الأردني في ملف القدس والمقدسات، فهذه ليست مجرد قضية دينية أو رمزية، بل ورقة سيادية وسياسية حساسة، تتقاطع فيها مشاريع النفوذ مع حسابات الهوية، وكل تمسك بهذا الدور يُفسَّر من قبل خصومه على أنه عائق يجب تقويضه، ولو عبر حملات التشكيك والتضليل.
ثم يأتي عامل آخر لا يقل أهمية، وهو الاستقرار الداخلي؛ ففي منطقة انهارت فيها دول وتفككت مجتمعات، يمثل الأردن نموذجًا نسبيًا للصمود، وهذا النموذج، بدل أن يُحتذى، يُستهدف أحياناً، لأن وجود حالة مستقرة يفضح فشل نماذج أخرى، ويُضعف السرديات التي تبرر الفوضى كقدر محتوم.
ولا يمكن إغفال سبب آخر من الأسباب الهجمة الشرسة على الأردن وهو دور الحروب الإعلامية الحديثة، فالهجوم اليوم لم يعد بحاجة إلى جيوش، بل إلى منصات رقمية وجيوش إلكترونية، فتُضخّم الأزمات، وتُجتزأ الوقائع، وتُعاد صياغة الأحداث ضمن سرديات تخدم أجندات محددة، وفي هذا السياق، تصبح أي مشكلة داخلية مادة خام لحملة خارجية، وأي خلل إداري دليلاً على انهيار أو ضعف مزعومين.
ومع ذلك، فإن اختزال الهجوم كله في الخارج سيكون تبسيطًا مخلًا، فالأردن، كغيره من الدول، يواجه تحديات اقتصادية حقيقية وضغوطًا معيشية قاسية، وهذه التحديات تخلق بيئة خصبة للنقد، بل للاحتقان أحيانًا، غير أن الفرق بين النقد المشروع والاستهداف الممنهج يكمن في النية والسياق؛ فالأول يسعى للإصلاح، أما الثاني يوظف الأزمات لإضعاف الدولة.
والحقيقة التي قد لا تعجب البعض هي أن الأردن مستهدف لأنه يحاول أن يبقى خارج لعبة الانهيارات الكبرى، مستهدف لأنه لم يتحول إلى ساحة حرب، ولم يسمح لنفسه بأن يكون أداة في صراعات الآخرين، ومستهدف أيضاً لأنه، رغم محدودية موارده، ما زال قادراً على الحفاظ على تماسكه.
في النهاية، ليس السؤال لماذا يُهاجم الأردن، بل لماذا يُراد له أن يتخلى عن توازنه، فالمشكلة، في نظر كثيرين، ليست في أخطاء الدولة بقدر ما هي في استقلال قرارها، وفي منطقة تعيش على منطق المحاور، يصبح الاستقلال موقفاً مكلفاً، فالأردن اليوم أمام معادلة دقيقة؛ أن يُصلح الداخل دون أن ينكسر أمام الخارج، وأن يحافظ على توازنه دون أن يفقد صلابته، وهذه ليست مهمة سهلة، لكنها، حتى الآن، ما زالت ممكنة، وربما لهذا السبب تحديدًا... يستمر الهجوم.