facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الإعلام بين الحرية والمسؤولية


د. بركات النمر العبادي
23-03-2026 11:03 AM

* قراءة محافظة تحليلية في دعوة الفايز إلى استراتيجية وطنية إعلامية تحمي الوعي الوطني

في زمنٍ تتكاثر فيه الروايات وتتسارع فيه الأخبار وتتداخل الحقيقة مع التأويل ، لم يعد الإعلام مجرد وسيلة لنقل الوقائع ، بل أصبح ساحةً لصراع الإرادات وصياغة الوعي الجمعي ، وفي مثل هذه اللحظات الحساسة ، لا يمكن للدول أن تترك فضاءها الإعلامي نهبًا للفوضى أو الارتجال ، من هنا تكتسب الدعوة التي أطلقها دولة فيصل الفايز ، رئيس مجلس الأعيان الأردني، في 4 أيار 2025، لوضع استراتيجية إعلامية وطنية للدولة الأردنية ، دلالة أعمق من مجرد تصريح سياسي عابر؛ فهي تعبير عن إدراكٍ متزايد بأن معركة الوعي لا تقل خطورة عن أي معركة أخرى تواجه الدولة.

من منظور فكري محافظ ، يقوم استقرار الدولة على توازن دقيق بين الحرية والنظا ى ، فالحرية حين تُفصل عن المسؤولية تتحول إلى فوضى ، والفوضى بدورها تُضعف قدرة المجتمع على التمييز بين الحقيقة والتضليل ، ولهذا فإن الدعوة إلى استراتيجية إعلامية موحّدة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها محاولة لفرض “صوت واحد” ، بل بوصفها سعيًا إلى حماية البوصلة الوطنية في القضايا الكبرى التي تمس أمن الدولة ومصالحها العليا.

لقد أشار الفايز بوضوح إلى أن الفضاء الإعلامي المفتوح ، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي ، بات بيئة خصبة لانتشار الإشاعة والتحريض واغتيال الشخصية ، ولم يعد الأمر مقتصرًا على خلافات داخلية أو سجالات إعلامية عابرة ، بل أصبح جزءًا من حروب المعلومات التي تستهدف الدول عبر حملات منظمة ، من بينها ما يُعرف بالذباب الإلكتروني الذي يسعى إلى ضرب النسيج الاجتماعي والتشكيك في مواقف الأردن القومية ، وفي مقدمتها موقفه التاريخي تجاه القضية الفلسطينية.

في الفلسفة السياسية المحافظة ، يُنظر إلى الإعلام بوصفه مؤسسة من مؤسسات الاستقرار المجتمعي ، لا مجرد مساحة للتعبير الفردي ، فالدولة ليست كيانًا إداريًا فقط ، بل منظومة قيم ومصالح وهوية مشتركة ، وعندما يتشظى الخطاب الإعلامي في القضايا المصيرية ، فإن ذلك لا يعكس تنوعًا صحيًا بقدر ما يعكس غياب المرجعية الوطنية المشتركة.

من هنا يمكن فهم جوهر دعوة الفايز إلى توحيد الخطاب الرسمي تجاه القضايا الكبرى ، فالمقصود ليس تقييد الآراء أو مصادرة النقد ، بل ضمان ألا تظهر مؤسسات الدولة وكأنها تتحدث بلغات متناقضة في لحظة سياسية حساسة ، فالتعددية الحقيقية لا تعني التناقض في الثوابت ، بل تعني تنوع الرؤى داخل إطار وطني جامع.

ومن النقاط التي تستحق التأمل في هذا السياق تأكيد الفايز على دور نقابة الصحفيين الأردنيين بوصفها المظلة القانونية للمهنة ، فالمحافظة على حرية الإعلام لا تتحقق بفتح المجال بلا ضوابط ، بل عبر مؤسسات مهنية قادرة على حماية المهنة من الدخلاء وتعزيز قيم المهنية والالتزام بميثاق الشرف الصحفي ، فالإعلام الحر في الرؤية المحافظة ليس إعلامًا منفلتًا ، بل إعلامًا مسؤولًا ومهنيًا يدرك حدود الحرية وواجباتها.

كما أن البعد الاقتصادي الذي أشار إليه الفايز يعكس فهمًا واقعيًا لطبيعة الإعلام، فالمؤسسات الإعلامية التي تعاني هشاشة مالية أو انعدام الأمن الوظيفي للعاملين فيها تصبح أكثر عرضة للتأثيرات الخارجية أو الضغوط الاقتصادية ، ولهذا فإن التعامل مع الإعلام بمنطق السوق البحت ، بعيدًا عن اعتباره قطاعًا ذا بعد سيادي ، قد يؤدي إلى إضعاف دوره الوطني في لحظات التحدي.

ولم يغب عن النقاش البعد المستقبلي المرتبط بتطور التكنولوجيا ، إذ أثيرت مسألة الذكاء الاصطناعي وقدرته على إنتاج محتوى مضلل أو التلاعب بالمعلومات على نطاق واسع ، وهذه الإشارة تكشف أن المعركة الإعلامية لم تعد تقليدية ؛ فهي تتطور بوتيرة متسارعة تتطلب استعدادًا تشريعيًا وتقنيًا ومؤسسيًا لمواكبتها.

إن الدعوة إلى استراتيجية إعلامية وطنية ، في هذا السياق ، ليست مشروعًا بيروقراطيًا أو تنظيميًا فحسب ، بل رؤية تهدف إلى تحصين الوعي العام، فالمجتمعات التي تفقد قدرتها على التمييز بين الحقيقة والتضليل تصبح أكثر عرضة للانقسام والاضطراب.

ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في صياغة الاستراتيجية ، بل في وجود جهة قادرة على متابعة تنفيذها وتقييم أثرها ، بحيث لا تبقى مجرد وثيقة نظري ، فالدولة التي تدرك أهمية الإعلام في معركة الوعي لا تكتفي بإطلاق المبادرات ، بل تحرص على تحويلها إلى سياسات عملية تحمي المجتمع من التضليل وتدعم إعلامًا مهنيًا قادرًا على أداء دوره الرقابي والوطني في آن واحد.

في النهاية ، تكشف دعوة الفايز عن حقيقة فلسفية وسياسية عميقة: الحرية بلا مسؤولية تضعف الدولة ، والمسؤولية بلا حرية تضعف المجتمع ، أما التوازن بينهما ، فهو ما يصنع إعلامًا وطنيًا قويًا، قادرًا على حماية الحقيقة وخدمة المصلحة العليا للوطن.

وفي زمن تتداخل فيه الحقائق بالزيف وتتحول المعلومة إلى أداة نفوذ ، يصبح بناء استراتيجية إعلامية وطنية ليس خيارًا إداريًا ، بل ضرورة لحماية الوعي وصون استقرار الدولة الأردنية.

حمى الله الاردن ملكا وقيادة وشعبا

* حزب المحافظين الاردني





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :