الأردن في اسبوع .. برزخ الجيوسياسة وأطروحة اقتصاد الاستنزاف
د.م أيمن الخزاعلة
23-03-2026 03:29 PM
على امتداد الأسبوع قبل الأخير من شهر آذار 2026 وفي ذروة تراكب اللحظة الزمنية مع تعقيداتها الجيوسياسية، واجهت الدولة الأردنية وطأة "اشتباك قدري" مع الجغرافيا؛ حيث تلاقت احتفالات الوجدان الوطني بيوم الكرامة وعيد الأم مع استحقاقات أمنية واقتصادية وجودية، وضعت صانع القرار أمام "مأزق استراتيجي" غير مسبوق. ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تستعد لعيد الفطر، كان المشهد العسكري يغلي فوق صفيح من "التهديدات العابرة للحدود"؛ إذ باشر سلاح الجو الملكي عمليات "الكيّ الوقائي" في ريف السويداء والبادية السورية، لاجتثاث البنية التحتية لاقتصاد المخدرات العابر للسيادات إلا أن الثمن كان باهظاً في الداخل؛ إذ كشف استشهاد نخبة من مرتبات إدارة مكافحة المخدرات في مداهمة دامية بشرق عمان، عن فجوة في "تكتيكات المواجهة الحضرية" أمام عصابات الكبتاجون والكريستال. وعليه، على الحكومة الكف عن سياسة "الفزعة"، والانتقال الجذري نحو "الأمن السيبرنتيكي"، والمراقبة بالذكاء الاصطناعي، والتحليل التنبؤي؛ بما يقلّص الكلفة البشرية ويعيد تعريف السيادة بوصفها منظومة تقنية، لا مجرد تضحية جسدية في عصر "الدرونز".
أما على صعيد النفوذ الجوي، فقد تحولت سماء المملكة إلى "ساحة ظل" وفضاء اشتباك غير معلن لتصفية الحسابات الإقليمية؛ حيث إن اعتراض أنظمة الدفاع الجوي لمسيرات وصواريخ إيرانية متجهة نحو "مفاعل ديمونة"، يضع الأردن أمام سيناريو "الرهينة الجغرافية" ضمن معادلة لا يتحكم بمعطياتها. إن محاولة إيران ضرب منشأة نووية في منطقة متاخمة لحدودنا ليست مجرد حدث عسكري، بل هي تهديد بـ "إبادة إيكولوجية" صامتة قد تطال حرثنا ونسلنا. ورغم تصريحات الملك الحازمة بأن الأردن لن يكون ساحة حرب، إلا أن الواقع يشير إلى تقصير حكومي في بناء منظومة "دفاع جوي طبقي" مستقلة تماماً، قادرة على تحييد هذه الأجسام دون ارتهان بنيوي للتحالفات التقليدية. إن الموقف يتجاوز "الاحتجاج الدبلوماسي" إلى فرض "حياد جوي مسلح"، وعلى الحكومة التوقف عن دور "المتفرج القلق".
دبلوماسياً، جاءت الجولة الملكية العاجلة في الإمارات وقطر والبحرين على وقع طبول الحرب الإيرانية-الإسرائيلية، كمحاولة لـ "ضبط الإيقاع" وتأمين شبكة أمان إقليمية ضمن إطار "دبلوماسية احتواء المخاطر" وإعادة معايرة التوازنات. ورغم نجاح الدبلوماسية الملكية في انتزاع منحة إماراتية، غير أن الإشكالية لا تكمن في تدفّق الموارد بقدر ما تكمن في نمط توظيفها؛ إذ لا تزال الحكومة تمارس "الاتكالية المالية" دون اجتراح حلول للاقتصاد الوطني. إن الارتباط العضوي بين استقرار الخليج والأمن القومي الأردني هو "تلازم مصيري"؛ فالحرب الإقليمية تهدد بـ "تصحّر التدفقات النقدية" لـ 500 ألف مغترب أردني، وتعصف بقطاع السياحة الذي دخل "مرحلة الكساد" نتيجة ذعر السياح. ومن هنا، يصبح توجيه هذه المنح فوراً لمشاريع طاقة ومياه إنتاجية بدلاً من سد ثقوب الموازنة الجارية ضرورةً قصوى، مع وجوب تحصين "قانون الضمان الاجتماعي 2026" -الذي يناقشه البرلمان حالياً- من أي انزلاقات تشريعية تزيد الأعباء على الشباب في زمن التضخم.
في الميزان التنفيذي، بدت قرارات الحكومة حول "التحول الرقمي" للهوية و"النقل المدرسي" وتحديد عطلة العيد، أشبه بـ "تزيين السفينة وسط الإعصار". إن تحمل الموازنة لكلف أمنية واقتصادية مباشرة في شهر مارس وحده هو "نزيف مالي" يستدعي إعلان "حالة الطوارئ الاقتصادية" التي تعيد ترتيب الأولويات وفق منطق الأمن القومي الشامل. كما يتجلى القصور في غياب الرؤية الاستشرافية لأزمة سلاسل الإمداد عبر باب المندب، ما انعكس تضخماً حاداً في أسعار السلع الأساسية؛ وهذا يتطلب الانتقال من سياسة "إدارة الأزمة" إلى "بناء المناعة السيادية" عبر إنشاء مخزون استراتيجي فعلي يتجاوز الأرقام المعلنة، وتفعيل أدوات الضبط السعري عبر شراكة صلبة بين المؤسستين العسكرية والمدنية، بما يكرّس مفهوماً عملياً للاستقلال الغذائي والنفطي.
خلاصة القول: إن الأردن ليس مجرد "عازل جغرافي"، بل هو قلب الإقليم النابض وعقدة ارتكاز حيوية في شبكة التوازنات الشرق أوسطية. ومن ثمّ، فإن التحديات التي تواجهه —من صواريخ السماء إلى سموم المخدرات، ومن ضغوط الجيب إلى اختلالات البنية الاقتصادية— ليست سوى تجليات لمعركة واحدة متعددة الوجوه وعلى السلطة التنفيذية أن تغادر سباتها البيروقراطي، وأن تعي أن السيادة في زمن الفوضى المركبة لا تُجزّأ: فهي كلٌّ لا يقبل القسمة، أو لا يكون.