تركيا والأردن في قلب العاصفة: حلفاء الاستقرار في زمن التحولات
د. محمد بني سلامة
23-03-2026 03:35 PM
في خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، وبين حسابات القوة وحدود الانفجار، تبرز كل من تركيا والأردن كنموذجين للدول التي نجحت في إدارة التوازن الصعب بين الانخراط الواعي وتجنب الانزلاق إلى أتون الحرب. وفي وقت تتجه فيه المنطقة نحو إعادة تشكيل خرائط التحالفات، يبدو أن قراءة الموقفين التركي والأردني لم تعد ترفًا سياسيًا، بل ضرورة استراتيجية، خصوصًا لدول الخليج العربي التي ستجد نفسها أمام واقع جديد بعد انقشاع غبار هذه الأزمة.
منذ اللحظة الأولى، اتسم الموقف التركي بقدر كبير من البراغماتية السياسية والوعي الاستراتيجي. لم تنجر أنقرة إلى خطاب التصعيد، بل تبنت دور المراقب الفاعل والوسيط المحتمل، مستفيدة من شبكة علاقاتها المتشابكة مع مختلف الأطراف، من إيران إلى دول الخليج، مرورًا بعلاقاتها المعقدة مع الغرب. هذا التوازن لم يكن وليد اللحظة، بل امتدادًا لسياسة تركية طويلة تقوم على إدارة التناقضات بدل الاصطفاف الحاد.
الدوافع التركية في هذا السياق واضحة وعميقة في آن واحد. فاستراتيجيًا، تدرك أنقرة أن أي توسع للحرب سيقود إلى فوضى إقليمية تمس أمنها القومي بشكل مباشر، خاصة في ظل قربها الجغرافي من بؤر التوتر. أما اقتصاديًا، فإن استقرار المنطقة يعني استقرار تدفقات الطاقة والتجارة، وهما عنصران حيويان للاقتصاد التركي. لذلك، كان من الطبيعي أن تدفع تركيا باتجاه احتواء التصعيد، مع قراءة دقيقة لمواقف القوى الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، باعتبارها اللاعب الأكثر تأثيرًا في مسار الأزمة.
في المقابل، يقف الأردن في موقع أكثر حساسية، حيث لا تمنحه الجغرافيا رفاهية المناورة الواسعة. فهو ليس مجرد مراقب، بل دولة على تماس مباشر مع تداعيات الصراع. ومع ذلك، نجح في ترسيخ موقف واضح يقوم على رفض التصعيد، والحفاظ على الاستقرار الداخلي، والتوازن في العلاقات الإقليمية والدولية.
الأردن، بخلاف كثير من الدول، لا ينظر إلى الأزمة من زاوية سياسية مجردة، بل من منظور أمني واقتصادي مباشر. فالتصعيد يعني تهديدًا لأجوائه وحدوده، واحتمال تحول أراضيه إلى ممر للصواريخ أو العمليات العسكرية. كما أن أي انفجار في الضفة الغربية يحمل تداعيات خطيرة على الداخل الأردني، نظرًا للروابط الجغرافية والديموغرافية والسياسية. من هنا، جاء تركيز عمان على الجاهزية العسكرية، حيث أثبتت قدرتها على حماية أجوائها والتعامل مع التهديدات، دون أن تتحول إلى طرف في الصراع.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد الجغرافي الاستراتيجي للأردن بالنسبة لدول الخليج العربي، إذ يشكّل الأردن بوابة جغرافية وأمنية مهمة نحو المشرق العربي، وحاجز استقرار يربط الخليج ببلاد الشام. هذه المكانة تعزز من أهميته في معادلات الأمن الإقليمي، خاصة في ظل التحديات المتزايدة. كما أن الموقف السياسي الأردني ظل ثابتًا في التأكيد على أن أمن الخليج العربي هو جزء لا يتجزأ من الأمن الوطني الأردني، وهو ما ينعكس في سياساته المتوازنة، وتعاونه المستمر مع دول الخليج في مختلف الملفات الأمنية والسياسية.
اقتصاديًا، لا يقل القلق الأردني أهمية. فالدولة التي تعاني أصلًا من تحديات اقتصادية، لا تستطيع تحمل صدمات طويلة الأمد، سواء من حيث ارتفاع أسعار الطاقة أو تراجع النشاط السياحي والاستثماري. ومع ذلك، أظهر الأردن قدرة لافتة على الصمود، مستندًا إلى خبرته في إدارة الأزمات، وشبكة علاقاته المتوازنة مع الحلفاء.
إن ما يجمع بين التجربتين التركية والأردنية هو إدراك عميق لطبيعة المرحلة، ووعي بأن الانخراط غير المحسوب قد يكون أكثر كلفة من الحياد الذكي. كلا البلدين لم يكتفِ بتجنب التصعيد، بل قدّم نموذجًا في كيفية إدارة الأزمات المعقدة دون التفريط بالمصالح الوطنية.
وهنا تبرز النقطة الأهم: ما بعد الحرب. فدول الخليج العربي، التي تراقب المشهد عن كثب، ستكون أمام ضرورة إعادة تقييم علاقاتها الإقليمية. لقد أثبتت تركيا والأردن، خلال هذه الأزمة، أنهما شريكان موثوقان، قادران على تقديم الاستقرار بدل المغامرة، والتوازن بدل الانحياز.
في عالم يتغير بسرعة، لم تعد التحالفات التقليدية كافية. بل إن الحاجة تزداد إلى شركاء يمتلكون رؤية استراتيجية وقدرة على إدارة الأزمات. ومن هذا المنطلق، فإن إعادة النظر في العلاقات الخليجية مع كل من تركيا والأردن ليست خيارًا تكتيكيًا، بل خطوة ضرورية في سياق التحولات الكبرى التي تشهدها المنطقة.
في النهاية، قد لا تكون هذه الأزمة الأخيرة، لكنها بلا شك لحظة فارقة. ومن يحسن قراءة مواقف اليوم، سيكون الأقدر على بناء تحالفات الغد.