حين يتحوّل الدم إلى معنى – قراءة محافظة لمعنى معركة الكرامة
د. بركات النمر العبادي
23-03-2026 04:12 PM
لم تكن معركة الكرامة مجرّد مواجهة عسكرية عابرة في جغرافيا الأغوار الأردنية ، ولا حادثةً تُختصر في أرقام الخسائر أو تفاصيل الاشتباك، بل كانت لحظةً مفصلية أعادت الاعتبار لمعنى ثابت في وجدان الأمة : أن الكرامة ليست شعاراً طارئاً ، بل قيمة متجذّرة في العقيدة والهوية والتاريخ ، تُصان بالثبات ، وتُحمى بالوفاء للأرض والقيادة والرسالة.
في ذلك الصباح من آذار، لم تكن الأرض صامتة ، بل كانت شاهدةً على امتدادٍ عميق بين الماضي والحاضر؛ بين إرثٍ حمله الآباء ، وأمانةٍ أدّاها الأبناء ، هناك ، عند تخوم الوطن ، وقف الجندي الأردني لا بوصفه مقاتلاً فحسب ، بل حارساً لمنظومة قيمٍ راسخة : الإيمان ، والانتماء ، والطاعة الواعية التي تنبع من إدراك قدسية الدفاع عن الوطن ، و لم تكن المواجهة مع عدوٍّ مدجّج بالسلاح فقط ، بل مع فكرةٍ حاولت أن تُزعزع ثوابت الأمة ، وتفرض عليها منطق الانكسار.
في الرؤية المحافظة ، لا تُفهم الكرامة كحالة انفعالية عابرة ، بل كالتزام أخلاقي متجذّر، يقوم على صون الثوابت ، واحترام التضحيات ، والتمسك بوحدة الصف ، ومن هنا، جاءت الكرامة لتؤكد أن الأوطان لا تُحمى بالفوضى ، بل بالانضباط ، ولا تُصان بالشعارات ، بل بالفعل المسؤول الذي يجمع بين الشجاعة والحكمة.
لقد تحوّل النجيع في تلك الأرض إلى ما يشبه القوة الكامنة التي أعادت رسم حدود الممكن ؛ لا لأنه دمٌ سُفك فحسب ، بل لأنه دمٌ سال في سياق الدفاع عن حقٍ مشروع ، وعن هويةٍ لا تقبل المساومة ، و انفجر هذا المعنى في وجه الوهم الذي روّج لفكرة التفوق المطلق ، ليؤكد أن الإيمان العميق بالأرض والقيَم قادرٌ على تقويض أكثر النظريات صلابة.
أما الشهادة ، في هذا السياق ، فهي ذروة المعنى المحافظ للكرامة ؛ إذ ليست خروجاً من الحياة ، بل ارتقاءً بها إلى مستوى الرسالة ، والشهداء لم يكونوا مجرد أرقام في سجل المعارك ، بل كانوا تجسيداً حيّاً لفكرة التضحية الواعية التي تربط الفرد بجماعته ، والحاضر بتاريخه ، والدم بالمعنى ، وقد عَسَلَت تضحياتهم ذلك الحبر الذي كُتبت به روايات التفوق ، لتعيد صياغة السردية على قاعدةٍ أكثر عدلاً : أن الإرادة المتمسكة بثوابتها لا تُهزم.
وفي هذا الإطار ، يتجلّى النصر لا بوصفه تفوقاً عسكرياً فحسب ، بل كاستعادةٍ للتوازن الأخلاقي والرمزي ، فالنصر ، في المنظور المحافظ ، هو أن تبقى الأمة وفيةً لقيمها ، قادرةً على الدفاع عن نفسها دون أن تفقد بوصلتها ، وأن تنتصر للحق دون أن تتنازل عن نظامها وانضباطها. لقد كانت الكرامة إعلاناً واضحاً بأن الأردن ، قيادةً وجيشاً وشعباً ، يشكّل وحدةً متماسكة لا تنفصم ، وأن قوة الدولة لا تُقاس فقط بعتادها ، بل بصلابة بنيتها القيمية ، ومن هنا ، بقيت الكرامة أكثر من ذكرى ؛ بقيت درساً مستمراً يُذكّر الأجيال بأن الأوطان تُبنى بالتضحيات ، وتُحفظ بالثبات على المبادئ ، وأن الكرامة ، في معناها الأعمق ، هي أن تعرف من أنت ، وأن تبقى كذلك مهما تبدّلت الظروف.
حمى الله الاردن من كل كريهة
* حزب المحافظين الاردني