السياسة بعقل الدولة لا بعاطفة الشارع
المحامي حكم الضمور
23-03-2026 04:39 PM
في زمن الانقسام، حين يصبح الانتماء محل مزايدة، وحين تُختزل الأوطان في شعارات عابرة، نقف اليوم أمام مشهد مقلق في الأردن؛ مشهد يتنازع فيه الناس بين هذا مع إيران، وذاك ضدها، وكأن القضية ليست أكبر من مجرد اصطفاف سياسي ضيق.
ما الذي يحدث لنا؟
هل أصبحنا نرى بعضنا البعض بعيون الشك والتخوين فقط لأننا نختلف في قراءة مشهد إقليمي معقد؟ وهل يُعقل أن يتحول النقاش من حرص على الوطن إلى ساحة لتبادل الاتهامات؟
الحقيقة التي يجب أن تُقال دون مواربة:
الأردن ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لترديد روايات الآخرين، بل هو دولة لها مصالحها، اقتصادها الهش، وتحدياتها التي لا تحتمل هذا العبث.
الأحداث في المنطقة، شئنا أم أبينا، سترتد علينا مباشرة، خصوصاً في ملف الطاقة، والتجارة، والاستقرار الاقتصادي. أي توتر إقليمي يعني فاتورة أعلى، وضغطاً أكبر على المواطن الأردني، الذي لم يعد يحتمل المزيد.
وهنا يجب أن نكون صريحين:
ليس من الحكمة أن نندفع خلف خطاب شيطنة مطلق لأي طرف، خاصة حين نرى كيف تُدار الصراعات في المنطقة بمنطق الهيمنة والفرض. نعم، لسنا مع أي مشروع يهدد استقرارنا، ولكن في الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل حقيقة باتت واضحة في المشهد الإقليمي: أن إيران استطاعت، إلى حدٍ كبير، أن تكبح اندفاعة إسرائيل نحو الهيمنة المطلقة، وأن تستنزف فائض القوة لديها في أكثر من ساحة، بما حدّ من تمدد مشاريعها التوسعية في المنطقة.
هذه الحقيقة لا تعني الانحياز الكامل، لكنها تفرض قراءة مختلفة:
ففي عالم السياسة، لا تُبنى المواقف على العواطف، بل على توازنات القوة والمصالح. وإذا كان هناك من درس يمكن استيعابه، فهو أن التوافق العربي مع إيران – ضمن صيغة واضحة تحفظ السيادة وتمنع التدخل – قد يشكل مدخلاً لخلق توازن إقليمي حقيقي، يخفف من حدة الصراعات ويحد من تغوّل أي طرف على حساب الآخر.
المشكلة ليست في أن تختلف، بل في أن تنسى وطنك وأنت تختلف.
أن ترفع راية هذا أو ذاك، وتنسى أن هناك بلداً اسمه الأردن يحتاج منك وعياً لا انفعالاً، وحدة لا انقساماً.
كفى استهتاراً.
كفى تقزيماً لدورنا وكأننا مجرد ممر أو ساحة.
الأردن أكبر من أن يكون تابعاً، وأذكى من أن يُستدرج إلى معارك لا تخدمه.
اليوم نحن أمام اختبار حقيقي:
إما أن نكون أردنيين أولاً، أو نضيع في زحام الشعارات.
أنا لست مع إيران بالكامل، ولا مع أي تحالف يُفرض علينا، لكنني أفهم أن السياسة ليست أبيض أو أسود، وأن المصلحة الوطنية تتطلب قراءة عميقة، لا ردود فعل عاطفية.
في النهاية، الموقف الوحيد الذي لا يقبل المساومة هو:
الأردن أولاً… والأردن دائماً.