التضليل الإعلامي ودوره في تكوين رؤى غير واقعية للأحداث
د. عبدالحفيظ العجلوني
24-03-2026 12:15 PM
في زمن تدفّق المعلومات وتعدّد المنصّات الإعلامية، لم يعد التحدّي في الوصول إلى الخبر، بل في التمييز بين حقيقته وصورته المُعاد تشكيلها. فالإعلام اليوم لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يسهم – بقصد أو بغير قصد – في إعادة صياغتها بما يؤثر في إدراك الجمهور واتجاهاته. ومن أبرز الأمثلة على ذلك التغطيات المرتبطة بالحرب على إيران، حيث تتشكّل لدى كثيرين صورة قد لا تعكس الواقع الفعلي على الأرض.
عند متابعة نشرات الأخبار، يُسلَّط الضوء بشكل متكرر على سقوط صاروخ إيراني أو شظاياه في مناطق متفرقة داخل إسرائيل، وما يرافق ذلك من أضرار ووفيات أو إصابات محدودة. وتُقدَّم هذه الأحداث أحياناً بطريقة توحي بإنجاز عسكري كبير أو تحوّل استراتيجي مهم. في المقابل، تُعرض الضربات الواسعة التي تنفذها إسرائيل والولايات المتحدة ضد أهداف حيوية داخل إيران – والتي قد تشمل دمارًا كبيرًا وخسائر بشرية ومادية واسعة – كأخبار عابرة أو ضمن سياق خبري سريع لا يحظى بالزخم ذاته.
وهنالك عاملًا مهمًا يسهم في هذا التباين، وهو طبيعة التغطية الميدانية وإمكانية الوصول إلى الحدث. فوسائل الإعلام العالمية قد تمتلك حضورًا ومراسلين على الأرض في إسرائيل، ما يتيح لها نقل التفاصيل الدقيقة واللحظية لأي حادثة، مهما كانت محدودة في أثرها. فتُنقل الصور فورًا، وتُجرى المقابلات، وتُعرض المشاهد بشكل مباشر، مما يمنح الحدث وزنًا أكبر في وعي المتلقي.
في المقابل، تواجه هذه الوسائل صعوبات كبيرة في الوصول إلى داخل إيران أو تغطية آثار الضربات فيها بالقدر نفسه من التفصيل والسرعة، سواء لأسباب تتعلق بالقيود المفروضة على العمل الإعلامي أو لعوامل أمنية ولوجستية. ونتيجة لذلك، يُكتفى غالبًا بأخبار موجزة أو بيانات عامة، دون صور حيّة كاملة أو تغطية ميدانية مكثفة.
هذا الاختلال في تدفّق المعلومات لا يعني بالضرورة وجود نية تضليل، لكنه يؤدي عمليًا إلى نتيجة محددة وهي: تكوين رأي عام غير متوازن. فيتشكّل لدى معظم المتابعين انطباع بأن إسرائيل تتعرض لدمار واسع ومتكرر، بينما تبدو الضربات على إيران وكأنها أقل تأثيرًا أو حضورًا، رغم أن الواقع قد يكون مختلفًا في حجم الأثر والنتائج.
كما تلعب العناوين المثيرة، واللغة العاطفية، والتكرار المستمر لبعض المشاهد أو الأخبار، إضافة إلى دوافع بعض وسائل الإعلام، ومواقف المتلقين المسبقة، دورًا في ترسيخ صورة ذهنية لا تستند إلى تقييم موضوعي شامل. ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، تتضخم هذه الظاهرة أكثر، حيث تُعاد مشاركة الأخبار واللقطات دون تدقيق، وتُبنى عليها آراء ومواقف قد تكون بعيدة عن الواقع.
إن خطورة هذا النوع من التضليل لا تكمن فقط في تشويه فهم الأحداث، بل في توجيه الرأي العام نحو استنتاجات غير دقيقة قد تؤثر في المواقف السياسية والاجتماعية للأفراد. لذلك، يصبح من الضروري التعامل مع الأخبار بحذر، والبحث عن مصادر متعددة، ومقارنة الروايات المختلفة، وتحييد المواقف المسبقة قبل تكوين رأي.
في النهاية، لا يمكن إنكار أن كل وسيلة إعلامية قد تحمل زاوية نظر معينة، لكن الوعي النقدي لدى المتلقي يبقى العامل الأهم في مواجهة التضليل. فالحقيقة غالبًا لا تُختزل في عنوان، ولا تُدرك من مصدر واحد، بل تتشكل عبر قراءة متأنية ومتوازنة لمجمل المشهد، مع إدراك أن ما نراه ليس دائمًا كل ما يحدث، بل ما أمكن نقله وعرضه.