الحروب تعيد تسعير العالم… والأسواق تغيّر قواعدها
د. إسحق المشايخ
24-03-2026 04:16 PM
ماذا لو استمرت الحرب؟!
في الاقتصاد الحديث، لم تعد الحروب أحداثًا عسكرية محصورة في الجغرافيا، بل تحوّلت إلى صدمات اقتصادية عابرة للحدود، تنتقل آثارها بسرعة من ساحات القتال إلى الأسواق العالمية، ثم إلى تفاصيل الحياة اليومية، ما يجعل استمرار أي صراع في منطقة حيوية للطاقة والتجارة مصدرًا مباشرًا لإعادة تسعير المخاطر عالميًا.
ومع تصاعد التوترات مؤخرًا، عاد ملف أمن الإمدادات النفطية إلى الواجهة، حيث أصبحت الأسواق أكثر حساسية لأي تهديد للممرات البحرية الاستراتيجية، وعلى رأسها مضيق هرمز، باعتباره شريانًا رئيسيًا لتدفق الطاقة، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على الأسعار ويغذي حالة عدم اليقين في الأسواق المالية.
ولا تقف آثار ارتفاع الطاقة عند حدود النفط، بل تمتد إلى كلفة النقل والإنتاج وأسعار الغذاء، ما يعيد تنشيط الضغوط التضخمية عالميًا، ويدفع البنوك المركزية إلى إعادة ضبط سياساتها، مع ميلٍ لإبقاء أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، وهو ما يضغط على الاستثمار والنمو، ويعيد تشكيل أولويات السيولة في الأسواق في ظل تراجع شهية المستثمرين للمخاطرة ،واتجاههم للاحتفاظ بسيولتهم في البنوك للاستفادة من العوائد المرتفعة بدل توجيهها نحو الاستثمار والانتاج،هذا الى جانب ارتفاع كلفة التمويل والتسهيلات الائتمانية ،ما يضعف جدوى العديد من المشاريع ويؤجل قرارات التوسع.
في هذا السياق، برز تحول لافت في سلوك المستثمرين، حيث لم يعد الذهب يرتفع تلقائيًا مع الأزمات كما في السابق، فقد شهد تراجعًا ملحوظًا مع قوة الدولار وارتفاع عوائد السندات، قبل أن يعاود الارتفاع مجددًا مع تغيّر التوقعات، ما يعكس حقيقة أن الأسواق لم تعد تتحرك بمنطق “الملاذ الآمن” التقليدي، بل وفق معادلة أكثر تعقيدًا تقودها فروق العوائد وتوقعات السياسة النقدية.
المعادلة اليوم باتت أكثر وضوحًا:-
تصعيد جيوسياسي يرفع أسعار النفط، فيغذي التضخم، ما يدفع الفائدة للصعود، فيضغط على الذهب،وفي المقابل، فإن أي تهدئة نسبية تخفف الضغوط التضخمية، وتفتح المجال لمرونة نقدية، فتعود جاذبية الذهب تدريجيًا.
هذا ما يفسر التذبذب الحاد في الأسواق مؤخرًا، حيث لم يعد الذهب يتحرك على أساس الخطر فقط، بل على أساس كيفية استجابة البنوك المركزية لهذا الخطر، وهي نقطة التحول الجوهرية في فهم سلوك الأسواق الحديثة.
أما في دول الخليج، فالمشهد يتسم بازدواجية واضحة، فارتفاع أسعار النفط يوفر دعمًا ماليًا على المدى القصير ويعزز الفوائض، لكنه في الوقت ذاته يضع ضغوطًا غير مباشرة على مسار التنويع الاقتصادي، خصوصًا في قطاعات السياحة والطيران والتجارة، التي تعتمد على الاستقرار الجيوسياسي وثقة المستثمرين.
وفي المقابل، يواجه الاقتصاد الأردني تحديًا أكثر حساسية، نظرًا لاعتماده الكبير على استيراد الطاقة، ما يعني أن أي ارتفاع في الأسعار ينعكس مباشرة على كلفة الإنتاج ومستويات التضخم، ويضيف أعباءً على الموازنة العامة، ويمتد أثره إلى أسعار الغذاء، في ظل ارتفاع كلف النقل عالميًا..
لكن ما يميّز المرحلة الحالية هو دخول عامل جديد على خط التوقعات، يتمثل في تزايد الحديث عن احتمال انطلاق مسار تفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة الباكستانية إسلام أباد، وهو تطور إن تحقق قد يشكل نقطة تحول في المشهد، ليس فقط سياسيًا، بل اقتصاديًا أيضًا.
فمجرد فتح نافذة تفاوض ينعكس مباشرة على توقعات الأسواق، عبر تهدئة المخاطر المرتبطة بالطاقة، وتخفيف الضغوط على أسعار النفط، ما قد ينعكس بدوره على مسار التضخم والسياسات النقدية، ويعيد توزيع التدفقات المالية عالميًا.
وبناءً على ذلك، يمكن قراءة المرحلة المقبلة عبر ثلاثة سيناريوهات رئيسية:-
أولًا، سيناريو الاحتواء والتفاوض: حيث تقود المساعي السياسية إلى تهدئة تدريجية، ما يدعم استقرار أسعار الطاقة، ويمنح الاقتصاد العالمي فرصة لالتقاط الأنفاس، مع تحسن نسبي في شهية المخاطرة.
ثانيًا، سيناريو التذبذب الممتد: حيث تستمر حالة “لا حرب شاملة ولا سلام كامل”، فتظل الأسواق في حالة تقلب، مع تحركات حادة في الذهب والنفط تبعًا للأخبار والتصريحات.
ثالثًا، سيناريو التصعيد المفاجئ: وهو الأقل احتمالًا لكنه الأعلى كلفة، حيث يؤدي أي تعطّل فعلي للإمدادات إلى موجة تضخم جديدة وتشدد نقدي أطول، ما يضغط بقوة على الاقتصادات المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الأردن.
وهكذا، فإن ما نشهده اليوم ليس مجرد أزمة عابرة، بل إعادة تشكيل عميقة لقواعد اللعبة الاقتصادية، حيث لم تعد الحروب تُقاس بنتائجها العسكرية فقط، بل بقدرتها على إعادة توجيه التدفقات المالية، وتغيير سلوك المستثمرين، وإعادة تعريف العلاقة بين الذهب والنفط والفائدة.
وفي المحصلة، فإن أخطر ما في الحروب الحديثة ليس اتساع رقعتها، بل عمق أثرها، حين تتحول من حدث سياسي إلى عامل اقتصادي دائم، يعيد رسم خريطة الأسواق، ويختبر مرونة الدول، وقدرة الأفراد على التكيّف مع عالم لا يتحرك باليقين… بل بالتوقعات.