أخطاء إيران تجاه الدول العربية ودورها في العدوان الأميركي الإسرائيلي عليها
السفير د. موفق العجلوني
25-03-2026 09:10 AM
في خضم التوترات الإقليمية المتصاعدة، تبرز تساؤلات جوهرية حول الأسباب التي ساهمت في تعقيد المشهد السياسي والأمني في المنطقة، وما إذا كانت السياسات الإقليمية لبعض الدول قد أسهمت بشكل مباشر أو غير مباشر في استدعاء تدخلات خارجية. وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال أن جملة من الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها إيران في تعاملها مع محيطها العربي قد لعبت دورًا مهمًا في تهيئة البيئة للتصعيد الأميركي الإسرائيلي ضدها.
لقد اعتمدت إيران، خلال السنوات الماضية، على نهج التمدد الإقليمي عبر ما يُعرف بـ"الأذرع" في عدد من الدول العربية، مثل سوريا ولبنان واليمن والعراق. هذا الحضور، الذي اعتبرته طهران جزءًا من استراتيجيتها الدفاعية، فُسّر في المقابل من قبل العديد من الدول العربية على أنه تدخل في الشؤون الداخلية، بل وذهب البعض إلى وصفه بشبه احتلال غير مباشر، الأمر الذي أضعف الثقة وأدى إلى توترات عميقة في العلاقات.
كما أن بعض الممارسات المرتبطة بهذه الأذرع، بما في ذلك استهداف مصالح أو أمن دول عربية، ساهمت في تعزيز صورة سلبية عن الدور الإيراني، ووفرت مبررات سياسية ودبلوماسية لخصومها الإقليميين والدوليين لتبرير سياساتهم التصعيدية.
ولو أن إيران انتهجت سياسة مختلفة قائمة على حسن الجوار، والاحترام المتبادل، وبناء شراكات حقيقية مع دول الخليج العربي وبقية الدول العربية، لكان المشهد مختلفًا إلى حد كبير. إذ من المرجح أن مثل هذه السياسة كانت ستؤدي إلى اصطفاف عربي وإسلامي داعم لها في مواجهة أي تهديد خارجي، بدلًا من حالة التباعد أو الحياد التي سادت في كثير من الأحيان.
وفي هذا الإطار، برزت سياسات الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب، إلى جانب توجهات الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، كعوامل استثمرت هذا الواقع الإقليمي المعقد. ورغم التصريحات الصادرة عن دونالد ترامب بشأن وجود محادثات مع إيران بهدف التوصل إلى حلول، وإصراره المعلن على ذلك، إلا أن كثيرين يرون أن هذه التصريحات لا تعكس بالضرورة توجهًا حقيقيًا نحو تسوية شاملة، بقدر ما تندرج ضمن إطار المناورات السياسية والإعلامية.
وقد عبّرت أصوات داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك شخصيات أميركية ويهودية، عن انتقادات واضحة لهذا النهج، معتبرة أن التصعيد يخدم بالدرجة الأولى أجندات اليمين المتطرف، سواء في إسرائيل أو داخل الولايات المتحدة، وأنه يصب في مصلحة بنيامين نتنياهو والتيارات الداعمة له.
ورغم أن إيران تحظى بدعم دولي من قوى كبرى مثل الصين وروسيا، إلا أن هذا الدعم، مهما كان مهمًا، لا يمكن أن يعوّض عن غياب العمق العربي والإسلامي، الذي يُعد عنصرًا حاسمًا في موازين القوى الإقليمية.
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة أمام إيران لإعادة تقييم سياساتها الإقليمية، والانطلاق نحو مرحلة جديدة تقوم على التركيز على الشؤون الداخلية، وتعزيز التنمية الوطنية، وبناء علاقات متوازنة مع دول الجوار العربي، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي، على أساس المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
إن مستقبل إيران، وفق هذا المنظور، لا يكمن في توسيع نفوذها عبر الأذرع في الدول العربية، بل في بناء “أذرع” من نوع مختلف: أذرع دبلوماسية قائمة على الثقة، والتعاون الاقتصادي، وحسن الجوار، والاحترام المتبادل. فهذه هي الأدوات القادرة على تحقيق الاستقرار الحقيقي، وقطع الطريق أمام أي تدخلات خارجية.
في نهاية المطاف، قد يكون هذا التحول هو الخيار الأكثر واقعية واستدامة لإيران، إذا ما أرادت تجنب مزيد من التصعيد، واستعادة دورها ضمن إطار إقليمي قائم على التفاهم بدلًا من الصراع، ولعل المرحلة القادمة تكون فرصة حقيقية لاستخلاص الدروس وإعادة رسم السياسات بما يخدم استقرار المنطقة بأسرها.
في ضوء ما سبق، يبرز الدور الأردني كنموذج دبلوماسي متوازن يمكن أن يسهم في تخفيف حدة التوترات وفتح آفاق جديدة للحوار الإقليمي. فقد انتهجت المملكة الأردنية بقيادة رجل السلام جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله سياسة خارجية قائمة على الانفتاح والحوار، حيث تحافظ على علاقات طيبة ومتينة مع دول مجلس التعاون الخليجي ومع مختلف الدول العربية والإسلامية، وفي الوقت ذاته تبدي استعدادًا للتواصل الإيجابي مع إيران ضمن إطار من الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وقد تجلّى هذا النهج بوضوح من خلال اللقاءات المتعددة التي جمعت معالي نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية وشؤون المغتربين أيمن الصفدي مع نظيره معالي وزير الخارجية السيد عباس عراقجي، والتي عكست رغبة حقيقية في بناء جسور تفاهم وتخفيف حدة التوتر، بما يخدم استقرار المنطقة ككل. إن هذه التحركات الدبلوماسية، وإن كانت تدريجية، تحمل في طياتها مؤشرات على إمكانية بلورة دور وسطي للأردن في تقريب وجهات النظر بين إيران ومحيطها العربي.
ومن شأن هذا الدور، إذا ما تم تعزيزه وتوسيعه، أن يساهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف المختلفة، وفتح المجال أمام مرحلة جديدة من العلاقات تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل، بدلًا من الصراعات والاستقطابات.
إن المنطقة اليوم بأمسّ الحاجة إلى مثل هذا النهج العقلاني، الذي يجمع بين الواقعية السياسية والحرص على الاستقرار، وقد يكون الأردن، بما يمتلكه من علاقات متوازنة ومصداقية دبلوماسية على المستوى العربي والإسلامي والدولي ، أحد المفاتيح المهمة في دعم أي مسار يهدف إلى تحسين العلاقات بين إيران والدول العربية، بما ينعكس إيجابًا على أمن واستقرار المنطقة بأسرها.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية
muwaffaq@ajlouni.me