بين الحقيقة والخوف .. كيف يُعاد تشكيل السلوك الاستهلاكي في زمن القلق؟
د. عبلة الوشاح
26-03-2026 09:16 AM
في لحظات التوتر وعدم اليقين، لا تتحرك المجتمعات وفق الوقائع فقط، بل وفق ما تتصوره عن هذه الوقائع. وهنا تحديدًا يتشكل ما يمكن تسميته بـ”الوعي القلق”، حيث يتقدّم الخوف على الحقيقة، ويتحوّل الإدراك الجمعي إلى محرك رئيسي للسلوك، خصوصًا في المجال الاستهلاكي.
ما شهدناه مؤخرًا في الأردن من إقبال على تخزين المواد التموينية، وشراء الفوانيس، وتأمين بدائل الطاقة، لا يمكن قراءته فقط كاستجابة اقتصادية، بل هو سلوك اجتماعي بامتياز. سلوك يعكس حالة من “العدوى النفسية”، حيث تنتقل المخاوف بين الأفراد بسرعة، وتُترجم إلى أفعال جماعية، حتى دون وجود مبررات واقعية واضحة.
في علم الاجتماع، يُفهم هذا النمط ضمن إطار “السلوك الجمعي تحت الضغط”، حيث يلجأ الأفراد إلى تقليد بعضهم البعض كآلية دفاع نفسي. فالفرد لا يشتري لأنه يحتاج، بل لأنه يرى الآخرين يشترون. وهنا تتراجع الفردانية لصالح “العقل الجمعي”، الذي قد يكون في كثير من الأحيان أقل عقلانية وأكثر اندفاعًا.
لكن الأخطر في هذه الحالة هو مصدر هذا الخوف. فبدل أن يستند الناس إلى معلومات رسمية أو بيانات موثوقة، أصبحوا يعتمدون على مقاطع فيديو وتحليلات غير متخصصة، تُبنى في كثير من الأحيان على اجتهادات شخصية أو قراءات غير دقيقة. هذه المحتويات لا تنقل الواقع بقدر ما تعيد تشكيله، وتُضخّم احتمالاته، فتخلق ما يُعرف بـ”الواقع المتخيّل”، الذي يتعامل معه الناس كأنه حقيقة.
وهنا نصل إلى المفصل الأهم:
هل نتسرب نحو الحقائق، أم نُدار بالخوف؟
هذا السؤال ليس بلاغيًا، بل هو مفتاح لفهم ما يحدث. عندما يُدار السلوك الاجتماعي بالخوف، يتحول السوق إلى مساحة توتر، وتصبح القرارات الاستهلاكية انعكاسًا للقلق لا للحاجة. فينشأ طلب غير حقيقي، وتُفتح أبواب الاستغلال، وتختل منظومة التوازن بين العرض والطلب.
كما أن هذا السلوك يعكس ما يسميه علماء الاجتماع “هشاشة الثقة”، سواء بين الأفراد أنفسهم أو بينهم وبين مصادر المعلومات. فحين تغيب الثقة، يبحث الناس عن بدائل، وغالبًا ما يجدونها في فضاءات غير منظمة مثل وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الآراء بالمعلومات، والتوقعات بالحقائق.
إن التحدي الحقيقي هنا ليس في توفر السلع أو نقصها، بل في إدارة الإدراك المجتمعي. فالمجتمع الذي يستند إلى الوعي والتحقق، يمر بالأزمات بأقل الخسائر. أما المجتمع الذي يُدار بالخوف، فإنه يخلق أزماته بنفسه، حتى في ظل وفرة الموارد.
في النهاية، المسألة تتجاوز مجرد شراء فانوس أو تخزين مادة تموينية؛ إنها تعبير عن علاقة المجتمع بالحقيقة.
هل نبحث عنها بهدوء ووعي؟
أم نترك الخوف يقودنا إليها… أو بعيدًا عنها؟