حرب إيران والأمن القومي العربي
السفير محمد الكايد
26-03-2026 11:28 AM
مما لا شك فيه ان ايران اليوم ليست كايران الأمس، وان الولايات المتحدة اليوم ليست كما عهدناها قبل ترامب ، واسرائيل اليوم ليست كاسرائيل قبل السابع من اكتوبر. وبينما تشهد منطقتنا تغيرات جذرية تكاد تودي بنا إلى المجهول ، ومخططات يحيكها المتربصون بأمتنا من جيران وخلان، وتقسيمات تلوح بالأفق تنذر بنظام إقليمي جديد يهون أمامه نظام سايكس بيكو. فلا زال الامن القومي العربي الموروث غير قادر على التعامل والتفاعل مع هذه المتغيرات بشكل مؤثر وإيجابي ناتج عن خلل في بنيته الأساسية التي لا تتحمل تبعيات العروبة والقومية مجتمعة بل قادرة على حمل أوزان لا تتعدى المساحة الجغرافية لكل مكون على حده.
لقد كشفت ايران عن انيابها عندما تعرضت للاعتداء الامريكي الاسرائيلي . وانتقل العداء الإيراني للجيران من مرحلة التدخل عبر الوسطاء والحلفاء إلى مرحلة العداء العلني والمواجهة المباشرة . ولم تسعف تصريحات واعتذار الرئيس الإيراني في إخفاء العداء الواضح الذي يكنه نظام الملالي إلى جيرانه العرب بدليل استمرار الضربات بعد هذا الاعتذار المبهم بالرغم من إظهاره للتباين بين مختلف القوى داخل ايران. وفي الوقت الذي كان تدخل ايران في السابق يتم تغليفه بعبارات دبلوماسية منمقة شعارات تؤكد على وحدة الأمة الإسلامية والمحافظه على علاقات حسن الجوار مع الدول العربية فقد تغيرت المواقف الإيرانية إلى اعتداء سافر وضربات عسكرية غير مسبوقة على دول كانت طهران بالأمس تخطب ودها. وغدت السياسة الإيرانية تناصب العداء ليس لمحيطها الإقليمي العربي فقط بل المسلم ايضا عندما وجّهت صواريخها إلى تركيا. وتحول مبدأ تصدير الثورة من شعار سياسي وديني إلى عمل عسكري مدفوعا بالحس القومي الفارسي. وأصبح المستضعفون في الارض التي كانت تبغي ايران نصرتهم إلى اعداء يتوجب الانتقام منهم.
لقد اتضح العداء الايراني المدفون للامة العربية منذ اول يوم شنت فيه الولايات المتحدة واسرائيل عدوانها على ايران. ولو امتلكت ايران نظام صاروخيا أوسع لرأينا الصواريخ الإيرانية تدك بلدانا عربية بعيدة تحت ذرائع وهمية تسوقها نزعة فارسية متصاعدة كل ما هو عربي وحجة الحرب الوجودية التي تخوضها. وغدا من الواضح ان ايران اليوم أعلنت العداء على الأمة العربية متذرعة بالاعتداء الأمركي الاسرائيلي وتمارس سياسة اغراق المركب الإقليمي بمن فيه على مبدأ علي وعلى اعدائي. ويمثل التغيير الإيراني سياسة جديدة مقبلة لنظام الملالي تقوم على نفس مبدأ نظام الشاه السابق بلعب دور شرطي الخليج او الدمار للجميع.
ليس ايران وحدها التي اختلفت عما كانت عليه ، فالولايات المتحدة الأمريكية وتحت ادارة الرئيس ترامب شهدت تحولات كبيرة في سياستها الخارجية تقوم على مبدأ الصفقات بدلا عن السياسات واضعة بذلك القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول وحق الشعوب في تقرير المصير خلف ظهرها بلا رجعة. وصار مبدأ نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها من مبادئ القانون الإنساني الدولي بالنسبة للولايات المتحدة من توافه الأمور التي لا يجب التوقف عندها ، وحتى المبادئ التي قامت عليها الولايات المتحدة وما تضمنه دستورها من الحقوق لا تمت بصلة للسياسة التي تتبعها. وصارت المنافع الاقتصادية والتجارية اهم من حياة الدول وشعوبها وحقوقها بما يعكس انتقال الولايات المتحدة من ادارة النظام العالمي إلى ادارة مصالحها الذاتية.
فمن غزة إلى فنزويلا إلى ايران مرورا بأوكرانيا وحلف شمال الأطلسي وحلفاء الولايات المتحدة كان المبدأ الأمريكي او (مبدأ ترامب ) إذا شئتم واحد: استعمال القوة والتهديد بالعقوبات لفرض الصفقة.
وفيما هدد ترامب حلفاءه بالعقوبات الاقتصادية لتحقيق الصفقة مثل كندا ودول الاتحاد الأوروبي والمكسيك وغيرها من الدول نراه لم يتردد في استخدام القوة لفرض صفقاته على غزة وفنزويلا وايران. وارسل مستشاريه القادمين من دنيا رجال الاعمال لعقد الصفقات قبل ان يرسل مفاوضيه السياسين المحنكين . وما الريفيرا في غزة والنفط الفنزويلي إلا شواهد على مبدأ ترامب الجديد.
وأما التغيير الذي حصل في اسرائيل منذ السابع من اكتوبر فقد فاق في وحشيته ودهائه التغيير الذي تم في ايران والولايات المتحدة بحجة الهجوم الحمساوي. ولم يعد يجدي نفعا مع الحكومة الاسرائيلية الحالية المتطرفة اي حديث عن القضايا التي تهم المنطقة فهي ماضية في خططها وأحلامها التوسعية وتحقيق دولة اسرائيل الكبرى غير مكترثة باتفاقيات السلام الفرعية وإغراءات التطبيع الإقليمية. وغدا هوس التوسع واستعمال القوة العسكرية هو البرنامج السياسي لهذة الحكومة التي خرجت بذلك من طوق الأحلام إلى حيز التنفيذ.
وتعدى برنامج هذه الحكومة التوسعية والحديث عن اسرائيل الكبرى كل برامج الحكومات الاسرائيلية السابقة ليصل إلى اماكن لم تكن تحلم بها من قبل متذرعة تارة بمكافحة الارهاب وتارة بالدفاع عن نفسها وتارة بالقضاء على التحالف الشيعي السني والتحالف السني السني. وتجاوزت اسرائيل في عهد الحكومة الحالية مظلومية العداء للسامية ومجازر الهولوكوست لتصل إلى ترجمة فعلية لاطماعها التوسعية مدعومة بترسانة عسكرية وامدادات أمريكية لا تنضب.
لقد بدلت اسرائيل مرتكزات سياستها بالمنطقة من حق الدفاع عن النفس وسط محيط عربي عدائي ورغبتها بالسلام مع محيطها والديمقراطية الوحيدة في المنطقة إلى مرتكز رئيسي وهو فرض السلام الاسرائيلي بالقوة الاسرائيلية في كل بقعة تسطيع الوصول اليها.
مما لا شك فيه ان التغييرات الحاصلة في سياسات كل من ايران والولايات المتحدة واسرائيل تؤثر بشكل مباشر على الامن القومي العربي من المحيط إلى الخليج مما يستدعي اعادة التفكير في ايجاد معادلة أمنية عربية جديدة تتسم بالمرونة والتحضير والجاهزية والمهنية. فقد بات واضحا ان الامن القومي العربي يواجه تحديات واطماع من الكثيرين وان اتفاقية الدفاع العربي المشترك لم تلبي احتياجات الوطن العربي الأمنية والدفاعية والشواهد التاريخية كثيرة على ذلك الامر الذي يستدعي ايجاد صيغة جديدة بين الدول العربية للدفاع عن نفسها ليس بصورة فردية او بجهد قطري منفرد بل بايجاد آلية عسكرية قومية دفاعية تلبي الاحتياجات الأمنية للوطن العربي ككل وتكون قادرة على فرض مصالح الأمة العربية في كل النزاعات الخارجية التي تشكل تهديدا للأمن القومي العربي الجماعي.
لن يجدي الأمة العربية نفعا التشبث بمبدأ اختلاف المصالح ، ولا مبدأ خصوصية كل دولة ، ولا التمسك بالقطرية والانفرادية ، ولنا في حروب ١٩٤٨ و ١٩٦٧ وبقية النزاعات مع اعدائنا دروسا في عدم فاعلية الامن القومي واتفاقية الدفاع المشترك مما يتطلب آلية جديدة مثل قوة تدخل سريع او مجلس امن قومي عربي او ما يراه المختصون بالشؤون الدفاعية تضمن حفظ المصالح القومية العربية في ظل نظام إقليمي جديد يجري التخطيط له وغير واضح المعالم لغاية الان.
ان اخطر ما يواجه امتنا العربية اليوم ليس تحولات خصومها بل عدم قدرتها على التحول في عالم يعاد تشكيله بالقوة وليس فيه متسع لمن لا يملك مشروعا أمنيا موحدا وفاعلا.