السيادة ليست شعاراً: حين يتكلم الأردن بلغة الدولة
محمد نور الدباس
27-03-2026 09:53 AM
في زمنٍ تتكسر فيه الحدود تحت أصوات الصواريخ والمسيرات، وتُختصر فيه الجغرافيا إلى منصات إطلاق، لا يعود الحديث عن “السيادة” ترفًا لغوياً ولا لازمة دبلوماسية تُقال لملء الفراغ، بل يصبح، كما جاء في الاتصال الهاتفي بين جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين المعظم ورئيس الوزراء العراقي، إعلان موقفٍ حادٍ في وجه منطق الفوضى.
وفي ظل انتهاكات سيادة الدول في المنطقة، الانتهاكات الأكثر وقاحة، فالإقليم اليوم يعيش على إيقاع “شرعنة الاختراق”؛ فهناك قوى كبرى تضرب حيث تشاء، وقوى إقليمية تردّ حيث تستطيع، وبينهما دولٌ تُدفع دفعاً لتكون ساحات لا أطرافاً في النزاع، وهنا تحديدًا، تكتسب عبارة “احترام سيادة الدول” معناها الحقيقي، أي الرفض التام لأن تتحول الأوطان إلى مجرد مساحات جغرافية مستباحة.
ما قاله الأردن في هذا الاتصال ليس مجرد موقف أخلاقي، بل هو تموضع سياسي في لحظة شديدة الحساسية، فكلا البلدين يدرك أن الانزلاق إلى منطق “الأراضي المفتوحة” يعني، ببساطة، الإضرار بالدولة كما نعرفها، فالسيادة ليست حدوداً مرسومة على الخرائط، بل هي القدرة على منع الآخرين من تحويل أرضك إلى رسالة نارية في بريد خصومهم.
اللافت في هذا الموقف أنه يأتي بصيغة مزدوجة؛ فهي هادئة في لغتها من ناحية، وصلبة في مضمونهامن ناحية أخرى، فهو لا يهاجم أحداً بالاسم، لكنه يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، وتحمل رسالة إلى الولايات المتحدة، مضمونها لا تجعلوا من حلفائكم منصات حرب، وتحمل رسالة إلى إيران مضمونها لا توسعوا جغرافيا الرد إلى دول لم تختَر أن تكون طرفاً في هذا النزاع، وتحمل أيضاً رسالة إلى كيان الاحتلال لا تخلطوا بين أمنكم واختراق سيادة الآخرين، إنها دبلوماسية تقول الكثير دون أن ترفع الصوت.
لكن الأهم من ذلك، أن هذا الخطاب يعيد طرح مبدأ جوهري؛ هو أن الدولة الوطنية قائمة لا يمكن لها أن تتحول إلى “مساحات نفوذ” تُدار من الخارج، لتذكير الجميع بأبسط قواعد القانون الدولي، فهذا يعني أن الخلل لم يعد في السلوك فقط، بل في تعريف اللعبة نفسها.
الأردن والعراق، بحكم موقعهما الجيوسياسي، ليسا ترفًا في معادلة الاستقرار، بل هما صمّام أمان، ولا يمكن القبول بأي اهتزاز في سيادتهما، الأمر الذي لن يكون حدثًا محلياً، بل شرارة إضافية قد تؤدي إلى حريق إقليمي يصعب السيطرة عليه، من هنا، فإن التمسك بمبدأ السيادة ليس دفاعاً عن حدود، بل عن فكرة الدولة ذاتها.
في العمق، فنحن أمام صراع بين منطقين؛ منطق يرى في الدول أدوات، ومنطق آخر يرى فيها دول لها كيان يجب احترامها، الأول يُنتج الفوضى ولو ادعى القوة، والثاني يحاول إنقاذ ما تبقى من النظام الدولي ولو بدا ضعيفاً، والرسالة التي خرجت من عمّان واضحة، مضمونها لسنا ساحات، ولسنا رسائل، ولسنا بريداً لحروب الآخرين، نحن دولة، والسيادة لدينا ليست شعاراً يُرفع، بل خطاً لا يُسمح بتجاوزه، وفي زمن الضجيج العسكري، قد تكون هذه الجملة الهادئة أخطر من أي صاروخ ذات أثر دبلوماسي كبير.