الوصاية على الوعي العام: اختلالات الخطاب السياسي بين نزعة التوجيه وفشل الإقناع
د. عبدالله حسين العزام
27-03-2026 08:52 PM
يشكّل الحديث عن "توجيه" وعي المجتمع أو الدعوة إلى تلقي الخطاب الرسمي بطريقة أحادية مدخلا مهماً لإعادة النظر في بنية الخطاب العام، ليس بوصفه مجرد تعبير لغوي عابر، بل باعتباره انعكاساً لرؤية كامنة لطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فمثل هذه الطروحات، حتى وإن جاءت في سياق تأكيد الثقة بالمؤسسات، قد تحمل في طياتها تصورا أحاديا يقوم على التلقين بدل التفاعل، وعلى الإملاء بدل الشراكة.
بتقديري، لقد تجاوزت المجتمعات الحديثة، بفعل التحولات الرقمية والانفتاح الإعلامي، مرحلة التلقي الأحادي. ولم يعد بالإمكان احتكار المعلومة أو فرض رواية واحدة على الوعي العام، بل أصبح هذا الوعي نتاجاً لتفاعلات معقدة تتداخل فيها الخبرة الشخصية مع التدفق المستمر للمعلومات، وتخضع لعمليات تقييم ومقارنة مستمرة.
وفي هذا السياق، يغدو الخطاب الذي ينطلق من فرضية "التوجيه" أقرب إلى محاولة استعادة نموذج تقليدي لم يعد قائماً.
من المؤكد، أن جوهر الإشكالية لا يكمن في مضمون الرسائل بقدر ما يكمن في آلية تقديمها. فالخطاب العام الفاعل لا يُبنى على افتراض الامتثال، بل على القدرة على الإقناع. وهذه القدرة لا تتحقق إلا عبر منظومة متكاملة من المرتكزات، في مقدمتها المصداقية، التي تشكل الأساس الأول لأي تواصل ناجح. فالمتلقي اليوم يمتلك الأدوات التي تمكنه من اختبار الخطاب وتحليله وتفسيره، ومقارنته بالواقع، وكشف التناقضات إن وجدت.
مما لا شك فيه، أن الاتساق بين القول والممارسة يمثل شرطاً لا غنى عنه، إذ إن أي فجوة بينهما تُنتج حالة من الشك، تُضعف الثقة وتُقوّض أثر الرسائل مهما كانت قوتها البلاغية. كما تأتي الشفافية بوصفها عنصراً حاسماً في بناء الثقة، حيث إن إتاحة المعلومات وتوضيح السياقات يعززان من قدرة المجتمع على الفهم والمشاركة، بدل دفعه إلى البحث عن تفسيرات بديلة في فضاءات غير رسمية.
بالإضافة إلى ذلك، تظل الركيزة الأهم احترام وعي المتلقي. فالعلاقة بين الدولة والمجتمع لا يمكن أن تستقيم في ظل خطاب يفترض التفوق المعرفي لطرف على حساب الآخر، أو يُوحي بوجود وصاية على الإدراك العام من قبل أشخاص بعينهم. معروف تحوّل مواقفهم السياسية من موقع المعارض الناقد إلى ادّعاء الوصاية على الوطنية، وهو تحوّل لا يحكمه المراجعات الفكرية بقدر ما تفرضه تبدلات المصالح، ما يجعلهم أنفسهم مرجعاً لمنح “صكوك الانتماء” أو سحبها من الآخرين، في حين أن وعي المجتمع أعمق من أن يُحتكر أو يُختزل بمثل هذه الخطابات.
إن مثل هذا الخطاب، حتى وإن جاء بنوايا حسنة، يحمل في طياته بذور فقدان الثقة، لأنه يتعارض مع إدراك متنامٍ لدى الأفراد بدورهم في تقييم ما يُطرح عليهم من أفكار.
علاوة على ذلك، أعادت التحولات التكنولوجية تشكيل المجال العام، بحيث أصبحت اللغة ذاتها ساحة للتأثير والصراع الرمزي. فالخطاب لم يعد مجرد وسيلة نقل، بل يتحول إلى أداة دقيقة، يمكن أن تُسهم في تعزيز التماسك المجتمعي أو في تعميق الفجوة بين الدولة والمجتمع. كما أن مسؤولية الفاعلين في المجالين السياسي والإعلامي تتجاوز مضمون الرسائل إلى كيفية صياغتها، ومدى انسجامها مع الواقع، وقدرتها على احترام عقل الجمهور.
بتقديري، لا يمكن لخطاب عام أن ينجح إذا انطلق من فرضية التوجيه الأحادي، أو سعى إلى إدارة الوعي بدل التفاعل معه. فالوعي الجمعي لا يُدار بالأوامر، ولا يتشكل بالإيعاز، بل يُبنى عبر مسار تراكمي تحكمه المصداقية والمنطق وتراكم الخبرة السياسية، بالإضافة إلى المشاركة الفاعلة في المؤسسات الديمقراطية، والدور السياسي للمجالس المنتخبة، التي تعمل كآليات لتعبير إرادة المواطنين وتوجيه السياسات العامة، وكمجال لتجربة النقاش العام والتقييم المستمر للخيارات الوطنية. كما يدعم هذا البناء الشفافية، وحرية الوصول إلى المعلومة، والتفاعل النقدي مع الخطاب العام، وتأثير البيئة الإعلامية المفتوحة والتحولات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط الإدراك والتلقي. وهو ما يفرض إعادة ضبط الخطاب العام ليكون أكثر اتزانًا، وأكثر احترامًا لعقل المجتمع، وأكثر قدرة على بناء الثقة لا افتراضها، ومما لا شك فيه ختاماً أن الوطنية الحقيقية تقوم على المشاركة والإقناع والممارسة، لا على الوصاية أو التحكم بالتلقي.