الدراسات الاستشرافية والاكتوارية: مفتاح استدامة الضمان الاجتماعي
د. صالح سليم الحموري
28-03-2026 07:51 PM
في عالم سريع التغير، لم يعد اتخاذ القرار الرشيد قائمًا على قراءة الماضي وتحليل الحاضر فقط، بل أصبح يتطلب الجمع بين أدوات القياس الدقيق وأدوات استكشاف البدائل المستقبلية. ومن هنا تبرز أهمية التكامل بين الدراسات الاكتوارية ودراسات استشراف المستقبل؛ فالأولى تمثل منهجًا علميًا لقياس المخاطر والتكاليف والالتزامات المالية المتوقعة، بينما تمثل الثانية منهجًا استراتيجيًا لفهم التحولات المحتملة وبناء تصورات متعددة للمستقبل. وتتجلى قيمة هذا التكامل في الجمع بين سؤالين أساسيين:
• كم ستكون الكلفة؟
• وماذا لو تغيرت المعطيات؟
تُعنى الدراسات الاكتوارية أساسًا بتحليل البيانات الكمية التاريخية المنظمة، مثل معدلات الوفاة والأمراض والأعمار والاستهلاك والاشتراكات والمطالبات، بهدف تقدير الالتزامات المستقبلية وتسعير المخاطر وقياس الاستدامة المالية. ولهذا فهي ترتكز على أدوات إحصائية ورياضية واحتمالية، وتتميز بقوة كبيرة عندما تكون البيانات مستقرة نسبيًا وقابلة للقياس. ومن هذا المنطلق، تساعد هذه الدراسات المؤسسات، ولا سيما في التأمينات الاجتماعية وصناديق التقاعد والتأمين، على الإجابة عن أسئلة من نوع: ما حجم الالتزامات المتوقعة؟ وهل الموارد الحالية كافية؟ وما أثر تعديل سن التقاعد أو نسب الاشتراك أو المنافع على التوازن المالي مستقبلًا؟
أما دراسات استشراف المستقبل، فهي لا تنطلق فقط من الأرقام الماضية، بل من تحليل "الاتجاهات الكبرى" و"الإشارات الضعيفة" و"المتغيرات الاجتماعية والتقنية والسياسية والاقتصادية" التي قد تعيد تشكيل الواقع في السنوات المقبلة. وهي لا تبحث عن "مستقبل واحد حتمي"، بل تفتح المجال أمام عدة سيناريوهات محتملة، وتطرح أسئلة من قبيل:
• ماذا لو ظهرت تقنيات جديدة؟
• ماذا لو تغيرت أنماط العمل؟
• ماذا لو ارتفعت الشيخوخة السكانية أو تبدلت السياسات العامة؟
ولهذا فإن قوتها الأساسية تكمن في توسيع زاوية الرؤية الاستراتيجية، وعدم حصر القرار في الامتداد الخطي للماضي.
وعند المقارنة بين المجالين، نجد أن الدراسات الاكتوارية تتعامل غالبًا مع عدم يقين قابل للقياس؛ أي ذلك النوع من الغموض الذي يمكن نمذجته ضمن احتمالات وتقديرات رقمية. في المقابل، تتعامل دراسات استشراف المستقبل مع عدم يقين أعمق يرتبط بتحولات قد تكون نوعية أو مفاجئة أو غير مسبوقة، مثل الطفرات التقنية أو الأزمات الجيوسياسية أو التغيرات السلوكية واسعة النطاق. ولهذا تعرض المادة في إحدى صفحاتها تصورًا بصريًا مهمًا لطيف عدم اليقين، يبدأ من القياس الإحصائي وينتهي إلى الاستكشاف الاستراتيجي، بما يوضح أن المجالين لا يتناقضان، بل يتحرك كل منهما في جزء مختلف من المشهد المستقبلي.
أن الفرق الجوهري بين المنهجين يظهر في السؤال الرئيسي، ونوع البيانات، وطبيعة القرار، ونقطة القوة. فالسؤال في الدراسات الاكتوارية هو: كم ستكون الكلفة وأين الخطر؟ بينما السؤال في الاستشراف هو: ما الذي يمكن أن يحدث وكيف نستعد له؟ كما أن الأولى تعتمد بدرجة أكبر على البيانات التاريخية المنظمة، في حين تستفيد الثانية من البيانات الكمية والنوعية معًا، بما في ذلك الاتجاهات الناشئة والإشارات الضعيفة. أما من حيث القرار، فالدراسة الاكتوارية تخدم "القرار المالي والتنظيمي والتنفيذي"، بينما يخدم الاستشراف "القرار الاستراتيجي والسياساتي. "
غير أن القيمة الحقيقية لا تظهر عند الفصل بين المجالين، بل عند تكاملهما، فاستشراف المستقبل يمنح صانع القرار القدرة على تحديد المسارات المحتملة والتقاط التحولات المبكرة، بينما تمنح الدراسة الاكتوارية القدرة على قياس الأثر المالي لكل مسار وتحويله إلى بدائل قابلة للتنفيذ. وهناك معادلة بليغة مفادها أن “ماذا لو؟” + “كم؟” = استراتيجية محكمة؛ وهي معادلة تعكس جوهر القرار الذكي في المؤسسات الحديثة. فليس كافيًا أن نتخيل المستقبل، كما ليس كافيًا أن نحسبه ضمن فرضيات جامدة؛ بل المطلوب أن نستكشف الاحتمالات أولًا، ثم نقيس آثارها ماليًا ومؤسسيًا.
وتتضح أهمية هذا التكامل بصورة أكبر في قضايا الضمان الاجتماعي والتقاعد. فإذا أجرت مؤسسة ما دراسة اكتوارية تقليدية، فقد تتمكن من تقدير الالتزامات المستقبلية استنادًا إلى أعمار المشتركين، ومعدلات البقاء، والعجز، والتقاعد. لكن هذه الدراسة قد لا تكون كافية إذا أغفلت تحولات جوهرية محتملة، مثل تغير طبيعة الوظائف بسبب الأتمتة، أو انخفاض الخصوبة، أو ارتفاع متوسط العمر، أو توسع الاقتصاد غير المنظم، أو تبدل السياسات الحكومية. هنا يأتي دور الاستشراف ليسأل:
• ماذا لو تبدلت بنية سوق العمل؟
• ماذا لو زادت البطالة بين الشباب؟
• ماذا لو تغيرت أنماط التقاعد؟
ثم تأتي الدراسة الاكتوارية لتقيس أثر كل سيناريو على الملاءة المالية والاستدامة. وهكذا يصبح القرار أكثر دقة ومرونة في آن واحد.
إن المؤسسات التي تكتفي بالدراسة الاكتوارية وحدها قد تقع في أسر الماضي، حتى وإن كانت حساباتها دقيقة. وفي المقابل، فإن المؤسسات التي تكتفي بالاستشراف دون قياس مالي محكم قد تمتلك رؤية واسعة، لكنها تفتقر إلى القدرة التنفيذية وضبط الكلفة. لذلك فإن الجمع بين المنهجين هو الطريق الأمثل لبناء سياسات عامة أكثر رشادة، واستراتيجيات أكثر مرونة، ومؤسسات أكثر قدرة على التكيف مع المفاجآت. (فالاستشراف يوسّع أفق النظر، والاكتواريا تضبط إيقاع القرار بالأرقارم).
وفي الختام، يمكن القول إن "الدراسات الاكتوارية ودراسات استشراف المستقبل" ليستا مسارين منفصلين، بل عدستان متكاملتان لرؤية المستقبل:
• الأولى تحسب الأثر المالي للمستقبل المتوقع،
• والثانية تستكشف المسارات الممكنة للمستقبل المتحوّل.
وعندما يلتقي الحساب الدقيق مع الرؤية الاستراتيجية، يصبح القرار أكثر نضجًا، والسياسة أكثر مرونة، والاستدامة أكثر واقعية. ومن هنا فإن المستقبل لا يُدار بالأرقام وحدها، ولا بالرؤى وحدها، بل بالشراكة بين القياس والاستشراف.
المقترح: يقوم المقترح على إعداد دراسة اكتوارية حديثة من فريق متخصص، ودراسة استشرافية للمستقبل من فريق آخر، ثم ترجمة مخرجات الدراستين إلى مقترحات لتعديل القانون، بما يواكب المتغيرات ويعزز الاستدامة.