العالم على صفيح ساخن… وحروب بلا ثقة ولا نهاية
محمد مطلب المجالي
29-03-2026 11:31 AM
في الوقت الذي تتكاثر فيه التصريحات عن مساعٍ دولية لوقف الحرب الدائرة، وتتحرك الوساطات بين العواصم بحثًا عن مخرجٍ يضع حدًا لنيران الصراع، تبدو الحقيقة أكثر قسوة مما يُعلن على المنابر السياسية. فالمفاوضات الجارية، مهما تعددت عناوينها، تصطدم بعقبة جوهرية لا يمكن تجاوزها بسهولة: انعدام الثقة بين الأطراف المتحاربة.
فالحروب لا تنتهي بمجرد إعلان النوايا أو عقد الاجتماعات الطارئة، بل تحتاج إلى إرادة حقيقية تُترجم على الأرض، وإلى حد أدنى من الثقة المتبادلة. وهذا ما يبدو مفقودًا في المشهد الراهن؛ حيث يتفاوض الجميع وهم يضعون أيديهم على الزناد، ويحسب كل طرف خطواته بميزان المكاسب العسكرية والسياسية، لا بميزان السلام والاستقرار.
وفي ظل هذا الواقع المضطرب، يقف العالم بأسره على صفيح ساخن. توترات سياسية متصاعدة، وأسواق اقتصادية مرتبكة، وقلق دولي يتزايد مع كل خبر أو تصريح قد يفتح الباب أمام جولة جديدة من التصعيد. فالحرب لم تعد شأنًا يخص أطرافها المباشرين فحسب، بل أصبحت أزمة عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال الاقتصاد والأمن والاستقرار الدولي.
أما فاتورة هذه الحرب فهي فادحة بكل المقاييس؛ دمار واسع في البنية التحتية، خسائر بشرية موجعة، واقتصادات منهكة تدفع ثمن الصراع يومًا بعد يوم. إنها فاتورة خيالية كارثية، مدمرة اقتصاديًا وسياسيًا، تدفعها الشعوب قبل غيرها، بينما تستمر الحسابات الكبرى في إدارة الصراع وفق توازنات المصالح والنفوذ.
ولعل ما يزيد المشهد قتامة أن الحروب، في كثير من الأحيان، تتحول إلى سوق مفتوحة للمصالح؛ حيث تنتعش تجارة السلاح، وتُعقد الصفقات في الخفاء، وتُدار الحسابات الباردة بعيدًا عن صرخات الضحايا وآلام الشعوب.
وفي ظل غياب الثقة، تبقى كل مبادرة لوقف الحرب مهددة بالانهيار عند أول اختبار، وتبقى الهدن المؤقتة مجرد استراحة قصيرة قبل جولة أخرى من الصراع. فالاتفاقات التي تُبنى على أرضٍ هشة لا تصمد طويلًا، والوعود التي لا تدعمها إرادة صادقة سرعان ما تتبدد مع أول احتكاك على الأرض.
وهكذا يستمر العالم في متابعة هذا المشهد المقلق، مدركًا أن استمرار الحرب لا يعني فقط سقوط المزيد من الضحايا، بل يعني أيضًا تراكم خسائر مادية هائلة، وفواتير اقتصادية وسياسية قد تبقى آثارها لعقود طويلة.
إن العالم اليوم يقف فعلًا على صفيح ساخن، وبين مفاوضات لا يثق بها أحد، وحروب لا يبدو أن لها نهاية قريبة. وبين هذا وذاك، تبقى الحقيقة الأكثر مرارة أن السلام، حين يغيب صدقه وتغيب الثقة بين أطرافه، يتحول إلى شعار جميل… لا أكثر.