في المؤسسات… ليس المهم ما تنجزه، بل ما يُقال إنك أنجزته
محمد نور الدباس
30-03-2026 09:16 AM
الحروب الحديثة لم تعد تُخاض فقط بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بل تُخاض (وبضراوة أكبر) بالكلمات والصور والتفسيرات، ففي قلب النزاع الدائر بين دولتين أو أكثر، تتكشف معركة موازية لا تقل شراسة، ألا وهي حرب السرديات؛ وهي الحرب التي لا يُسمع فيها دويّ الانفجارات، لكنها تعيد تشكيل وعي العالم، وتحدد من هو “الضحية” ومن هو “المعتدي”، ومن يستحق التعاطف ومن يستحق العقاب، فكل طرف في هذا النزاع لا يكتفي بإدارة المعركة على الأرض، بل يسعى إلى احتكار تفسيرها، والتساؤل هنا، هل يمكن إسقاط حرب السرديات على بيئة العمل؟
وللإجابة على هذا التساؤل، نقول، أنه في عالم الإدارة الحديث، لم يعد الصراع داخل المؤسسات يدور فقط حول الإنتاجية والكفاءة، بل حول شيء أكثر خفاءً وتأثيراً، ألا وهو السردية، تلك القصة غير المكتوبة التي تتشكل في أروقة المكاتب، وتُتداول في الاجتماعات، وتُهمس في الكواليس، لتصنع في النهاية الحقيقة التي يُبنى عليها الحكم.
فقد ينجز موظف عملًا استثنائيًا، لكن سردية ضعيفة تُلصق به كفيلة بتهميشه، وقد يتعثر آخر في الأداء، لكن سردية ذكية تُقدّمه كـ“عنصر واعد” تمنحه فرصًا جديدة، تجعله عرضة للترقية، هنا، لا تكون الوقائع وحدها هي الحَكم، بل الطريقة التي تُروى بها تلك الوقائع.
أي إن ما يمكن تسميته بـ“حرب السرديات” داخل بيئة العمل أصبح أحد أبرز ملامح المؤسسات المعاصرة، خصوصًا تلك التي تعاني من ضعف الحوكمة وغياب معايير التقييم الموضوعي، في هذه البيئات، لا يتنافس الموظفون فقط على الإنجاز، بل على تفسير الإنجاز، لا يُكافأ الأفضل أداءً بالضرورة، بل الأكثر قدرة على تثبيت روايته.
تبدأ هذه الحرب بهدوء، وقد تكون ملاحظة عابرة في اجتماع، أو تعليق ذكي يحمل أكثر من معنى، أو تلميح مدروس يزرع شكًا دون اتهام مباشر، ومع التكرار، تتحول هذه الإشارات إلى قناعات، ثم إلى “حقائق” غير مكتوبة، وهكذا، تتشكل سمعة مهنية قد تكون بعيدة تماماً عن الواقع.
والأخطر من ذلك أن الإدارة نفسها قد تصبح أسيرة لهذه السرديات، فبدل أن تبني قراراتها على بيانات دقيقة، تنجرف (بوعي أو دون وعي) خلف الانطباعات السائدة، وهنا، تتحول المؤسسة من كيان عقلاني إلى بيئة تحكمها التصورات، لا الحقائق.
في مثل هذا المناخ، يتغير سلوك الأفراد، الموظف المجتهد قد يشعر أن جهده لا يكفي، فيبدأ بالتركيز على “إدارة صورته” بدل تطوير أدائه، والموظف الانتهازي يدرك أن الكلمة قد تساوي أكثر من العمل، فيستثمر في العلاقات والتأثير بدل الإنجاز، والنتيجة الحتمية هي تراجع الإنتاجية، وارتفاع منسوب الإحباط، وتآكل الثقة.
ليست المشكلة في وجود روايات متعددة (فهذا طبيعي في أي بيئة بشرية) بل في غياب آليات تضبطها وتعيدها إلى مسارها الصحيح، المؤسسات الناضجة لا تمنع السرديات، لكنها تحاصرها بالشفافية، وتفككها بالبيانات، وتُخضعها لمعايير واضحة لا تقبل التأويل.
إن بناء نظام تقييم عادل لم يعد ترفًا إدارياً، بل ضرورة استراتيجية، نظام يعتمد على مؤشرات أداء قابلة للقياس، وتوثيق مستمر للإنجازات، ومساحات آمنة للنقد والمساءلة، فحين تكون الحقائق واضحة، تفقد السرديات المشوهة قدرتها على الانتشار.
لكن المسؤولية لا تقع على الإدارة وحدها، بل على الأفراد أيضاً أن يدركوا أن سمعتهم المهنية لا تُبنى فقط بما يفعلونه، بل بكيفية ظهور ما يفعلونه للآخرين، التوثيق، الوضوح، والقدرة على عرض الإنجاز بذكاء، لم تعد مهارات إضافية، بل أدوات بقاء في بيئة معقدة.
في النهاية، تبقى الحقيقة الصادمة؛ أن المؤسسات التي تسمح للسرديات بأن تتغلب على الوقائع، هي مؤسسات تُكافئ الوهم وتعاقب الحقيقة، وفي مثل هذه البيئات، لا يخسر الأفراد فقط، بل تخسر المؤسسة نفسها، حين تستبدل الكفاءة بالانطباع، والإنجاز بالصورة.
وفي زمن تتسارع فيه التغيرات، لم يعد أخطر ما يواجه المؤسسات هو المنافسة الخارجية، بل الروايات الداخلية التي تُعيد تشكيل الواقع من الداخل… بصمت.