تجّار الأزمات… وجيوب تمتلئ من وجع الناس
محمد مطلب المجالي
30-03-2026 09:42 AM
في كل أزمة تمرّ بها الأوطان، يظهر على هامشها صنف من البشر لا يعنيهم وجع الناس ولا تقلقهم معاناة المجتمع، بقدر ما تلمع في أعينهم فرص الربح السريع. إنهم تجّار الأزمات الذين يحوّلون القلق العام إلى سوقٍ مفتوح، ويجعلون من خوف الناس سلعة تُباع وتُشترى.
فما إن تلوح بوادر أزمة – حرباً كانت أو اضطراباً اقتصادياً أو حتى شائعة عابرة – حتى تبدأ حركة غير مرئية في الأسواق. ترتفع الأسعار فجأة، تختفي بعض السلع من الرفوف، ويبدأ التبرير الجاهز: الظروف صعبة، والتكاليف ارتفعت. غير أن الحقيقة التي يعرفها الجميع، هي أن بعض الجيوب وجدت في الأزمة فرصة لا تُعوّض لزيادة الأرباح على حساب البسطاء.
المواطن البسيط، الذي يكدّ طوال الشهر ليؤمّن حاجات أسرته، يجد نفسه فجأة أمام موجة من الغلاء لا يستطيع تفسيرها. الخبز، الخضار، الوقود، الدواء… كلها تقفز أسعارها كأنها تتسابق مع القلق الذي يسكن قلوب الناس. وفي ظل هذا المشهد، يقف البعض متفرجاً، بينما يقف آخرون في طوابير طويلة يدفعون ثمن أزمة لم يكونوا طرفاً فيها.
إن أخطر ما في ظاهرة تجار الأزمات ليس فقط ما تسببه من أعباء مالية على المواطن، بل ما تتركه من ندوب أخلاقية في جسد المجتمع. حين يتحول الألم العام إلى فرصة للكسب، تتآكل قيم التضامن، ويضعف الشعور بالمسؤولية المشتركة، ويصبح الربح السريع أعلى صوتاً من ضمير الإنسان.
لقد عرفت مجتمعاتنا عبر تاريخها الطويل صوراً مشرقة من التكافل والتعاضد في أوقات الشدة، حيث كان الناس يتقاسمون القليل بروح الأخوة والرحمة. لكن ما نشهده اليوم من استغلالٍ للأزمات يعكس انحرافاً مؤلماً عن تلك القيم، ويطرح سؤالاً كبيراً: كيف يمكن لبعضهم أن يملأ جيوبه من وجع الناس؟
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تكون فقط بالخطابات أو التحذيرات، بل تحتاج إلى رقابة صارمة وعدالة حازمة تضع حداً لمن يعبث بقوت الناس. فالسوق لا يمكن أن يُترك بلا ضابط، ولا يجوز أن تتحول معاناة المجتمع إلى فرصة مفتوحة لمن لا يردعهم ضمير.
وفي الوقت ذاته، يبقى وعي المجتمع عاملاً حاسماً في مواجهة هذا السلوك. فحين يدرك الناس خطورة التهوّر في الشراء والتخزين، وحين يرفضون الانجرار وراء الشائعات، تضيق المساحة أمام من يتربصون بالأزمات ويصنعون منها تجارة مربحة.
إن الأزمات، مهما اشتدت، تمضي وتبقى بعدها ذاكرة الناس شاهدة على المواقف. هناك من يقف إلى جانب المجتمع في وقت الضيق، وهناك من يختار أن يقف على الضفة الأخرى، حيث تُعدّ الأزمات موسماً للثراء السريع.
وعندها فقط يتضح الفرق بين من يحمل همّ الوطن ومن يحمل ميزان الربح وحده.