facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




حرب مدمرة بلا رؤية وفوضى إقليمية وتهميش الحلفاء


السفير د. موفق العجلوني
30-03-2026 10:01 AM

يثير المقال المنشور في The Washington Post يوم أمس السبت ٢٨/٣/٢٠٢٦ جدلاً واسعاً حول القرار الذي اتخذه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشن الحرب، في خطوة وُصفت بأنها تفتقر إلى التخطيط الإستراتيجي وتعكس نزعة فردية في صناعة القرار، بعيداً عن تقاليد التنسيق مع الحلفاء أو الاستناد إلى تقديرات المؤسسات الأمنية.

يشير التحليل الذي نشرته الواشنطن بوست إلى أن قرار الحرب لم يكن نتيجة رؤية متكاملة للأمن القومي، بل جاء مدفوعاً باعتبارات داخلية وضغوط سياسية واجهها الرئيس ترامب في واشنطن. ورغم محاولات بعض مستشاريه ثنيه عن التصعيد، اختار المضي قدماً في المواجهة، في خطوة بدت أقرب إلى استعراض القوة منها إلى سياسة مدروسة.

الأخطر في هذا السياق هو تجاوز الحلفاء التقليديين في المنطقة، وعلى رأسهم دول مجلس التعاون الخليجي، الذين لم يكونوا طرفاً في الحرب ولم يُستشاروا بشكل حقيقي قبل اتخاذ القرار. هذا التهميش لم يقتصر على غياب التنسيق، بل امتد إلى وضع هذه الدول أمام واقع مفروض، مما عرّضها لتداعيات أمنية وسياسية دون أن تكون جزءاً من صياغة القرار.

رغم التحفظات الواضحة التي تبديها الدول العربية، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، تجاه سياسات إيران وتدخلها في الشؤون الداخلية للدول العربية، بما في ذلك دعم وتأسيس أذرع لها في كل من العراق وسوريا ولبنان واليمن، فإن هذا الموقف لا يعني بأي حال تأييد خيار الحرب أو القبول بقرارات أحادية الجانب.

بل على العكس، كان من المتوقع أن يدفع هذا التعقيد الإقليمي الإدارة الأمريكية إلى التشاور مع حلفائها الأساسيين، وفي مقدمتهم دول الخليج والأردن، نظراً لما قد يترتب على أي تصعيد من انعكاسات خطيرة لا تمس الولايات المتحدة وحدها، بل تمتد آثارها إلى الأمن العربي والاستقرار العالمي.

رغم موقفها الرافض للتصعيد، وجدت دول مجلس التعاون الخليجي والأردن نفسها في دائرة التأثير المباشر للحرب، سواء من خلال التهديدات الأمنية أو الاضطرابات الاقتصادية. هذه الدول، التي طالما شكلت ركائز للاستقرار الإقليمي، تم تجاوزها بشكل أضعف قدرتها على لعب دور الوسيط أو الموازن.

ويُفهم من هذا المشهد أن النهج الأمريكي لم يكتفِ بتجاهل الحلفاء، بل ساهم في توريطهم بشكل غير مباشر في صراع لم يخدم مصالحهم، بل زاد من هشاشة البيئة الإقليمية التي يعتمدون عليها في أمنهم واستقرارهم.

جاءت تداعيات الحرب عكس ما كان يُروج له. فقد أدت إلى تفكك التوازنات الإقليمية، وتصاعد التوترات الطائفية والسياسية، وخلقت فراغاً أمنياً استغلته جماعات متطرفة. كما تسببت في أزمات إنسانية واسعة النطاق، مع موجات نزوح وتدهور اقتصادي انعكس على أسواق الطاقة والاقتصاد العالمي.

وعلى الصعيد الدولي، تراجعت مكانة الولايات المتحدة، وبدا أنها تتصرف كقوة أحادية لا تأخذ بعين الاعتبار مصالح شركائها. هذا التراجع فتح المجال أمام قوى دولية أخرى لتعزيز نفوذها في المنطقة على حساب واشنطن.

شير الواشنطن بوست إلى أن هذه الحرب، بدلاً من أن تخدم الاستقرار الدولي، جاءت في سياق يخدم أجندات سياسية ضيقة، من بينها دعم مواقف حكومة بنيامين نتنياهو، حيث يرى منتقدون أن التصعيد ساهم في تعزيز موقعه السياسي الداخلي وإبعاده عن أزماته، وهو ما يعكس تداخلاً خطيراً بين الحسابات الشخصية والسياسات الدولية.

وبالتالي أدى هذا النهج إلى وضع الولايات المتحدة في موقف حرج، ليس فقط مع حلفائها في المنطقة، بل أيضاً على الصعيد الداخلي الأمريكي، حيث تصاعدت الانتقادات لغياب الرؤية الإستراتيجية. كما لاحظ العالم نتائج هذا التفرد في اتخاذ القرار، والذي أضعف الثقة في القيادة الأمريكية وأثار تساؤلات حول مصداقيتها والتزامها بالشراكات الدولية.

وتخلص الواشنطن بوست في تحليلها بنبرة تحذيرية، مؤكدة أن السياسات القائمة على القرارات الفردية والانفعال السياسي تترك آثاراً طويلة الأمد على النظام الدولي. كما تدعو إلى ضرورة إعادة تقييم السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، والعودة إلى نهج يقوم على الشراكة مع الحلفاء، واحترام دورهم، والاعتماد على الدبلوماسية بدلاً من فرض الوقائع بالقوة.

في ضوء هذه التطورات، يبدو واضحاً أن تجاهل الحلفاء، خاصة دول مجلس التعاون الخليجي والأردن، لم يؤدِ فقط إلى إضعاف التحالفات التقليدية، بل ساهم في تعميق الأزمات، مؤكداً أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن تحقيقه دون شراكة حقيقية وتنسيق جماعي يحترم مصالح جميع الأطراف.

في خضم هذا التصعيد، لا يمكن إغفال الدور الصامت ولكن المؤثر لكل من الصين وروسيا، وهما قوتان عظميتان تدركان جيداً أن الساحة الدولية لا تُدار بمنطق السذاجة أو ردود الفعل العاطفية. فهاتان الدولتان تراقبان ما يجري في الخليج والتوتر مع إيران، التي تُعد شريكاً مهماً لهما في توازنات النفوذ الإقليمي والدولي.

ومن هذا المنطلق، يبدو أن بكين وموسكو لا تمانعان في ترك الولايات المتحدة تنزلق في مستنقع صراع مكلف، يستهلك مواردها ويُضعف موقعها الدولي على المدى الطويل. فبدلاً من المواجهة المباشرة، قد تعتمد هاتان القوتان على إستراتيجية الاستنزاف غير المباشر، حيث يُترك الخصم ليتورط في نزاعات معقدة، ما يفتح المجال لإعادة تشكيل موازين القوى العالمية.

ولا يُستبعد في هذا السياق وجود أشكال من الدعم غير المباشر لإيران، سواء سياسياً أو اقتصادياً، في إطار الحفاظ على توازن الردع ومنع واشنطن من فرض هيمنتها الكاملة. وفي المقابل، يبرز نوع من التعاطف في العالمين العربي والإسلامي مع إيران في مواجهة الحرب، رغم الانتقادات العميقة و غير المبررة لدورها في التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وتأسيس أذرع لها في عدة دول، وهو ما ظل محل رفض واضح من الحكومات والشعوب العربية على حد سواء.

هذا المشهد المعقد يعكس حقيقة أن الصراع لم يعد محصوراً في نطاق إقليمي، بل أصبح جزءاً من لعبة أمم كبرى، حيث تتقاطع المصالح وتُدار الأزمات بحسابات دقيقة، غالباً ما تكون الشعوب هي الخاسر الأكبر فيها.

في المحصلة، يبدو أن القرار الذي اتخذه الرئيس ترامب يفتقر إلى أبسط مقومات القيادة الرشيدة التي يُفترض أن يتحلى بها رئيس دولة عظمى بحجم الولايات المتحدة. فبدلاً من الاعتماد على المعطيات الاستراتيجية والتقييمات الدقيقة، جاء القرار انعكاساً لنهج متسرع، تجاهل تعقيدات المنطقة وتشابكاتها، وأهمل دور الحلفاء الأساسيين.

الأكثر إثارة للقلق هو كيف يمكن لشخصية سياسية مثيرة للجدل مثل نتنياهو، المرتبطة بسياسات الاحتلال والتصعيد في الأراضي الفلسطينية، وما شهدته من أحداث دامية في قطاع غزة والضفة الغربية، أن تمارس هذا التأثير في توجيه قرار بحجم إشعال حرب إقليمية. هذا التداخل بين الحسابات الشخصية والأجندات الضيقة يطرح تساؤلات جدية حول استقلالية القرار الأمريكي في هذه المرحلة.

وتزداد خطورة المشهد مع ما تشير إليه تقارير من أن إيران كانت قد أبدت استعداداً للقبول بشروط أمريكية قبل اندلاع الحرب، ما يعني أن خيار التصعيد لم يكن حتمياً، بل كان بالإمكان تجنبه عبر المسار الدبلوماسي. ومع ذلك، مضى الرئيس ترامب قدماً، مدعوماً بتيار متشدد داخل الولايات المتحدة، خاصة من الدوائر المؤيدة لإسرائيل، ليقود المنطقة نحو مواجهة مدمرة لم تكن ضرورية.

لقد أسهم هذا القرار في دفع المنطقة إلى حافة الانفجار، مخلفاً وراءه دماراً واسعاً وخسائر بشرية جسيمة، ومفاقماً من أزمات عالمية تمس الأمن والاستقرار الدوليين. كما أدى إلى تقويض فرص السلام، وتعميق الانقسامات، وإضعاف الثقة في الدور الأمريكي كوسيط نزيه.

إن ما حدث لا يمثل مجرد خطأ سياسي عابر، بل يعكس خللاً عميقاً في منهجية اتخاذ القرار، حيث تغلبت الاعتبارات الشخصية والتحالفات الضيقة على حسابات الحكمة والمسؤولية. وهو درس بالغ الأهمية يؤكد أن استقرار العالم لا يمكن أن يُترك رهينة لقرارات فردية، بل يجب أن يستند إلى توازن دقيق بين القوة والعقلانية، وبين المصالح الوطنية والالتزامات الدولية.

* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات والأبحاث الاستراتيجية

muwaffaq@ajlouni.me





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :