facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




بين الذاكرة والوعي .. نحو قراءة راشدة للتاريخ وتعزيز وحدة الأمة


د. عبدالحفيظ العجلوني
30-03-2026 11:25 AM

في سياق ما يشهده العالم الإسلامي من توتراتٍ وانقسامات، يبرز سؤالٌ جوهري: إلى أي مدى ينبغي أن يظل الحاضر رهينًا لأحداثٍ تاريخية مضى عليها أكثر من أربعة عشر قرنًا؟ إن استحضار مأساة بعضٍ من آل البيت رضوان الله عليهم في معركة كربلاء، بما تحمله من دلالاتٍ إنسانيةٍ وأخلاقية، ينبغي أن يكون مدخلًا للعبرة والتأمل، لا منطلقًا لإعادة إنتاج الصراع وتكريس الانقسام.

يتفق المسلمون، على اختلاف مذاهبهم، على محبة آل بيت النبي ﷺ، وفي مقدمتهم علي بن أبي طالب وولداه الحسن بن علي والحسين بن علي رضي الله عنهم جميعًا. كما يتفقون على إدانة الظلم ورفض ما وقع من أحداثٍ مؤلمة في تلك المرحلة. غير أن موضع الإشكال لا يكمن في أصل الموقف الأخلاقي، بل في كيفية توظيف هذا الإرث التاريخي: أهو مصدرٌ للاعتبار، أم ذريعةٌ لإدامة الانقسام؟

إن تحويل التاريخ إلى أداة صراعٍ معاصر، يُحمَّل فيه اللاحقون تبعات السابقين، يُمثّل خروجًا عن مقاصد الدين والعقل معًا. فالقيم التي جاء بها الإسلام -من عدلٍ وإحسانٍ ونبذٍ للبغي- تتنافى مع ترسيخ مشاعر العداء بين أبناء الدين الواحد. كما أن إسناد المسؤولية التاريخية إلى أجيالٍ لم تكن طرفًا في تلك الوقائع، يفتقر إلى السندين: الشرعي والعقلي.

وعند التأمل في مسار التاريخ الإسلامي، يتبيّن أن جانبًا من التوترات المذهبية لم ينشأ بمعزلٍ عن السياقات السياسية، بل جرى -في مراحل متعددة- تأجيجه وتوظيفه لخدمة مصالح سلطوية. فقد أدركت بعض قوى الحكم أن استثارة المشاعر الدينية، واستدعاء سرديات المظلومية، يوفّر أدواتٍ فعّالة لحشد الأنصار وترسيخ النفوذ، بل وأحيانًا لصرف الانتباه عن قضايا العدل والإصلاح. وفي هذا السياق، لم يكن الدين -في بعض الممارسات- جامعًا للأمة بقدر ما جرى توظيفه، انتقائيًا، لتبرير مواقف سياسية أو إضفاء مشروعيةٍ عليها.

وتكمن خطورة هذا التداخل بين الديني والسياسي، في أنه يُضفي على الصراع طابعًا قداسيًا، يُعسّرُ التمييز لدى العامة بين ما هو تعبديٌّ ثابت، وما هو اجتهاديٌّ أو مصلحيٌّ متغير. ونتيجةً لذلك، تنشأ مواقف جماعية قائمة على التعبئة العاطفية أكثر من قيامها على الوعي النقدي، بما يفضي إلى إعادة إنتاج الانقسام عبر الأجيال.

ومن المفيد، في هذا المقام، استحضار تجارب تاريخية حديثة خارج السياق الإسلامي؛ فقد شهدت أوروبا صراعاتٍ كبرى، ذهب ضحيتها عشرات الملايين، من بينها الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، خلّفت آثارًا اجتماعية واقتصادية وإنسانيةً عميقة. ومع ذلك، اتجهت تلك المجتمعات -لاحقًا- نحو بناء أُطرٍ للتعاون تقوم على المصالح المشتركة وتجاوز إرث الصراع. ولا يُراد من هذه المقارنة التسوية بين السياقات، بقدر ما يُراد إبراز قابلية المجتمعات، متى توفّر الوعي والإرادة، لتجاوز جراح التاريخ.

إن الإشكال في الطائفية لا يتمثل في وجود اختلافٍ فكري أو مذهبي -فذلك من طبائع الاجتماع البشري- بل في تحوّل هذا الاختلاف إلى أداةٍ لشحن النفوس، وإعادة تعريف الآخر بوصفه خصمًا بل عدوًا دائمًا. وعندما يُغذّى هذا التصور بخطابٍ عاطفي غير منضبط، تتراجع مساحات العقل والحوار، وتتكرّس أنماط من التفكير تعيد إنتاج الماضي بأبعاده البائسة بدل تجاوزه واستيعابه.

وعليه، فإن تجاوز هذا الواقع يتطلب جهدًا متعدد المستويات: يبدأ بخطابٍ علميٍّ رصين يميّز بين التاريخ بوصفه مادةً للفهم، وبين توظيفه كأداة صراع؛ ويمرّ بتعزيز الوعي النقدي لدى الأفراد، بما يمكّنهم من قراءة الروايات المختلفة قراءةً متوازنة؛ ولا ينتهي دون ترسيخ ثقافةٍ تُعلي من المشتركات، وتُقدّم مقاصد الدين الكلية على الانتماءات الضيقة.

إن وحدة الأمة ليست مفهومًا إنشائيًا، بل هي شرطٌ موضوعيٌّ للنهوض في عالمٍ تحكمه موازين القوة والتكتلات الكبرى. ولا يمكن أن تتأسس هذه الوحدة إلا على قاعدةٍ من الوعي، تُغلّب العقل على الانفعال، والسماحة على التعصّب، والحوار على الإقصاء، وترفض اختزال الدين في توظيفاتٍ سياسية ظرفية.

ختامًا، يبقى استحضار التاريخ ضرورةً معرفية، ما دام موجّهًا نحو الفهم والاعتبار. أما تحويله إلى إطارٍ دائمٍ للصراع، فليس سوى إعاقةٍ لمسار الحاضر والمستقبل معًا. وبين الذاكرة والوعي، تتحدد وجهة الأمة: إما إلى تكرار الانقسام وتكريسه، أو إلى بناء وحدةٍ راشدة تستلهم من الماضي دروسه، لا نزاعاته.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :