من يربح حرباً لا تُرى؟ قراءة في “اقتصاد الصراع” كما تراه التايمز
د. هيفاء ابوغزالة
23-03-2026 11:42 AM
في قراءة لافتة لصحيفة التايمز البريطانية يوم 22 مارس/ آذار 2026 ، لا تبدو الحرب الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران مجرد مواجهة جيوسياسية، بل زلزالاً اقتصادياً تتسع دوائره إلى ما هو أبعد بكثير من حدود الشرق الأوسط. فالعالم، كما تصفه الصحيفة، يقف على أعتاب “عاصفة اقتصادية” قد تعيد رسم خريطة الرابحين والخاسرين بطريقة غير تقليدية، حيث لا تكون الدول وحدها في قلب المعادلة، بل القطاعات الاقتصادية والشركات العابرة للحدود.
ما يميز هذه القراءة أنها لا تكتفي بتوصيف التداعيات، بل تكشف مفارقة عميقة: الحروب الحديثة لم تعد صفراً أو واحداً. قد يخسر الجميع في الظاهر، لكن تحت السطح، هناك من يراكم المكاسب بهدوء. وهنا تحديداً تكمن خطورة المرحلة، لأن الاقتصاد العالمي بات أكثر هشاشة وترابطاً من أي وقت مضى، بحيث إن أي اضطراب في نقطة جغرافية واحدة ينعكس فوراً على سلاسل الإمداد، وأسعار الطاقة، وحتى على سلوك المستهلك في أقصى بقاع الأرض.
في قائمة الخاسرين، تبرز قطاعات كانت حتى وقت قريب تُعد من أعمدة النمو العالمي. شركات التعدين، على سبيل المثال، تواجه ضغوطاً حادة نتيجة توقعات تراجع الطلب على السلع الأساسية مثل الحديد والنحاس. وهذا ليس مجرد تراجع في قطاع بعينه، بل مؤشر على تباطؤ صناعي أوسع، يعكس حالة ترقب وعدم يقين في الأسواق العالمية. فعندما تتراجع هذه المواد، فإن ذلك يعني أن عجلة البناء والتصنيع بدأت تُبطئ من سرعتها.
ويمتد الأثر إلى قطاع البناء والمقاولات، الذي يجد نفسه محاصراً بارتفاع أسعار الفائدة وتكاليف التمويل، ما ينعكس مباشرة على تراجع الطلب العقاري. هنا لا نتحدث فقط عن أرقام، بل عن دورة اقتصادية كاملة تتعرض للاهتزاز، حيث تتراجع الاستثمارات، وتتقلص المشاريع، وتتزايد المخاوف من ركود تدريجي.
أما قطاع الطيران، فيدفع ثمناً مضاعفاً. فإعادة رسم مسارات الرحلات لتجنب مناطق التوتر تعني كلفة تشغيلية أعلى، واستهلاكاً أكبر للوقود، وتراجعاً في الجدوى الاقتصادية. ومع ارتفاع أسعار النفط، تتحول الرحلات الجوية من خدمة اعتيادية إلى عبء مالي متزايد على الشركات والمستهلكين معاً. وهنا تظهر الطبيعة المتشابكة للاقتصاد العالمي، حيث لا يمكن فصل الجغرافيا السياسية عن حركة الطيران أو تكلفة التذاكر.
وربما الأكثر إثارة للانتباه هو إدراج شركات التكنولوجيا ضمن قائمة الخاسرين، وهو أمر قد يبدو مفاجئاً للوهلة الأولى. لكن الحقيقة أن هذه الصناعة، التي تقوم على الدقة العالية وسلاسل الإمداد المعقدة، تعتمد على عناصر أساسية مثل الهيليوم، الذي تلعب بعض دول المنطقة دوراً محورياً في إنتاجه. أي اضطراب في هذا الإمداد ينعكس فوراً على صناعات حساسة مثل أشباه الموصلات، ما يهدد بدوره قطاعات أوسع من الاقتصاد الرقمي العالمي.
ولا تقف التداعيات عند هذا الحد، بل تمتد إلى قطاع التجزئة، الذي يواجه ضغوطاً مركبة من ارتفاع تكاليف الشحن والطاقة، إلى جانب تراجع القدرة الشرائية للمستهلكين. فالحروب، في نهاية المطاف، لا تُثقل كاهل الحكومات فقط، بل تصل إلى جيب المواطن، حيث تتغير أولويات الإنفاق، وتتراجع الثقة، ويصبح الادخار بديلاً عن الاستهلاك.
في المقابل، تبرز قائمة الرابحين بصورة تكاد تكون تقليدية، لكنها أكثر وضوحاً في هذا السياق: شركات النفط والغاز. فمع كل توتر جيوسياسي، ترتفع أسعار الطاقة، وتتحول هذه الشركات إلى مستفيد مباشر من حالة عدم الاستقرار. التدفقات النقدية تتزايد، والقدرة على التوسع والاستحواذ تتحسن، ما يمنحها موقعاً أقوى في الاقتصاد العالمي.
لكن السؤال الأهم ليس من يربح الآن، بل ما إذا كانت هذه الأرباح مستدامة، أم أنها مجرد انعكاس مؤقت لأزمة عابرة. فالتاريخ يخبرنا أن الاقتصادات التي تُبنى على الأزمات غالباً ما تواجه تحديات أكبر عند عودة الاستقرار. كما أن الاعتماد المفرط على تقلبات السوق قد يخلق اختلالات طويلة الأمد يصعب معالجتها لاحقاً.
ما بين هذه المعادلات، تبدو دول المنطقة أمام اختبار دقيق. فالتعامل مع تداعيات كهذه يتطلب توازناً بين حماية الاقتصاد الوطني، والانخراط المسؤول في النظام الاقتصادي العالمي. وهنا تبرز أهمية تنويع مصادر الدخل، وتعزيز الاكتفاء الذاتي في القطاعات الحيوية، والاستثمار في الابتكار كوسيلة لتقليل الاعتماد على سلاسل إمداد قد تكون عرضة للاضطراب في أي لحظة.
لقد علمتنا التجارب أن الأزمات، رغم قسوتها، تحمل في طياتها فرصاً لإعادة التفكير وإعادة البناء. غير أن استثمار هذه الفرص يتطلب رؤية استراتيجية تتجاوز ردود الفعل الآنية، وتضع في الحسبان أن العالم يتغير بسرعة، وأن قواعد اللعبة الاقتصادية لم تعد كما كانت.
في النهاية، قد لا يكون السؤال “من الرابح ومن الخاسر” كافياً لفهم ما يجري. السؤال الأعمق هو: أي عالم نُعيد تشكيله من خلال هذه الصراعات؟ وهل نحن أمام نظام اقتصادي أكثر توازناً، أم أكثر هشاشة؟
الحروب قد تبدأ بقرار سياسي، لكنها لا تنتهي عند حدود السياسة. إنها تمتد إلى كل بيت، وكل سوق، وكل فرصة عمل. ومن هنا، فإن المسؤولية لا تكمن فقط في إدارة الصراع، بل في تقليل كلفته على الإنسان، وعلى مستقبل الاقتصاد العالمي.