facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




الدولة بين الصمود والاستباق


م. عامر البشير
23-03-2026 11:56 AM

عندما نعزّز قوة الدولة في المساحات غير المرئية، حيث تُمنع الأزمات قبل أن تبدأ، ندرك أن الأزمات لا تأتي فجأة .. بل نسمح لها أن تقترب، لا تحدث فقط، بل تنشأ حين نغفل عن إشاراتها المبكرة.

الخطط الفاعلة لا تنتظر المواجهة، بل تقوم على الاستباق؛ فالأخطر ليس ما يقع، بل ما يقترب دون استعداد، هي مقاربة لا تدير الأزمة، بل تمنعها؛ تضع الدولة في موقع الفعل لا ردّ الفعل، وفي موقع الحماية لا الانخراط—قائمة على الوقاية، وقراءة المؤشرات قبل أن تصبح واقعًا.

ومن هنا، فإن جوهر الدولة الأردنية لا يكمن فقط في أدواتها—من تحييدٍ سياسي، وردعٍ سيادي، وتحصينٍ داخلي، وامتصاصٍ للتحدّي المعيشي، وانتهاءً بالضبط الإعلامي—بل في الفلسفة التي تحكمها .. أن الدولة لا تُختبر حين تقع الأزمة .. بل قبل أن تبدأ، في قدرتها على التوقّع، والاستعداد، ومنع اللحظة الحرجة من أن تتحوّل إلى واقع.

فما لا يُرى .. هو ما يُحدّد، ليست الأزمات الكبرى تلك التي تُرى على الشاشات، بل تلك التي تبدأ بصمت، ثم تصل إلى حياة الناس دون إعلان، هناك، في مضيقات البحار وبوّاباتها، حيث يُستخدم الاقتصاد لإعادة تشكيل موازين القوى، تُختبر قدرة الدول على التماسك حين يضيق العالم فجأة.

المسألة ليست اضطرابًا في الملاحة بقدر ما هي اختبارٌ لفكرة الدولة ذاتها، هل تتفاعل مع الأزمات .. أم تستبقها؟ حين تغيّر السفن مسارها، لا يتغيّر البحر فقط، بل تتغيّر كلفة الحياة، وإيقاع السوق، وطمأنينة الناس.

الأزمات لا تبدأ بصوتٍ عالٍ، بل بتفاصيل صغيرة .. تأخّر الشّحن، ارتفاع كلفته واسعار التأمين، سلعة تختفي، معلومات تتضارب، هذه ليست أعراضًا عابرة، بل إشارات مبكرة، وهنا، لا يكفي خطاب يطمئن، بل مطلوب نظام يمنع القلق من أن يبدأ.

فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا نفعل إذا وقعت الأزمة؟ بل: كيف نمنع أن تتحول إلى أزمة؟

الإجابة تبدأ من إدارة التزويد؛ فالأسواق يمكن تهدئتها بالكلام، لكن السلع لا تصل بالتمنّيات.

حين تُؤمَّن الطاقة والغذاء، وتعمل سلاسل التوريد—بكلفة أعلى—فإن نصف الاستقرار قد تحقق، أما معالجة الأسعار دون ضمان التزويد، فليست إلا تأجيلًا للأزمة.

وفي قلب هذه المعادلة تقف الطاقة، لا كبند اقتصادي، بل كشرط وجودي، فالكهرباء التي لا تنقطع، والوقود الذي يصل في وقته، ليسا خدمات، بل عناصر سيادية تمسّ النقل، والغذاء، والإنتاج، وقدرة المواطن على الاحتمال، ومن هنا، فإن إدارة ملف الطاقة ليست قرارًا تقنيًا فقط، بل ترتيبٌ سياسي للأولويات؛ ما الذي لا يُمس، وما الذي يمكن أن يتحمّل، حتى في التفاصيل اليومية، تتجلّى هذه الأولويات .. في إنارة شارع تُخفّف كلفتها دون أن تُطفئ الشعور بالأمان، وفي قراراتٍ بلدية تعكس وعيًا بأن إدارة الموارد جزء من الاستعداد، لا إجراءً منفصلًا عنه.

فمؤسسات الادارة المحلية ليست خارج معادلة الأزمات، بل في قلبها، حيث يُترجم القرار السيادي إلى أثرٍ يومي يلمسه المواطن.

أما الغذاء، فهو الامتحان الأكثر حساسية؛ لأن الجوع لا ينتظر تبريرًا، وإدارته لا تعني التخزين فقط، بل المرونة، تنويع المصادر، وبناء عقود بديلة، والتعامل مع الموانئ بوصفها شرايين حياة، لا مجرد نقاط عبور.

وفي السوق، لا يكون الحضور بالتدخّل الدائم، بل بالذكاء، منع الاحتكار، وضبط الانفلات، والتدخل حين يلزم، فالإفراط بالرقابة يخنق، والغياب يتركها تنحرف، وبين هذا وذاك، تبقى الثقة هي البنية غير المرئية التي تحكم كل شيء؛ لا تُطلب بل تُبنى.

وحين يعرف المواطن ما يحدث، ويرى إجراءات واضحة، ينخفض القلق—في أصعب الظروف—ويبقى الغموض العنصر الذي يغذّي الشائعات.
في النهاية، الدول لا تُختبر في الظروف الطبيعية، بل حين يختل العالم، والسؤال ليس: هل لدينا خطة؟ بل: هل لدينا منهج؟ منهج يضبط القرار، ويرتّب الأولويات، ويوازن بين الكلفة والاستقرار.

ما يحتاجه الأردن اليوم ليس قراراتٍ استثنائية، بل انضباطًا في إدارة الموارد، وترتيب الأولويات، وفي التنفيذ قبل الخطاب. فالدول لا تتأثّر بالأزمات .. بل بكيفية إدارتها،

حين تضطرب البحار، لا تُقاس قوة الدولة بما تقول، بل بما تضمن أن يصل.

والدولة التي لا تضمن وصول الأساسيات .. لا تخسر معركة، بل تخسر معناها.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :