الولايات المتحدة وإسرائيل والأهداف غير القابلة للتحقيق!
أ.د أحمد بطَّاح
30-03-2026 02:09 PM
بعد مرور شهر تقريباً على بدء الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإسرائيل من جهة أخرى يتضح بشكل متزايد بأنّ أهداف الحرب الموضوعة من قِبل الولايات المتحدة وإسرائيل غير قابلة للتحقيق لأسباب موضوعية جليّة، فرغم النجاح الباهر الذي حققه الهجوم الأمريكي الإسرائيلي في بداية الحرب والذي تمخّض عن قتل المرشد الإيراني الأعلى (خامنئي)، وعدد كبير من القيادات العسكرية والسياسية وذلك فضلاً عن تدمير كثير من الأسلحة الإيرانية براً، وبحراً، وجواً (تم شن أكثر من 15,000 غارة في معظم أنحاء إيران)، إلّا أن الأهداف المُعلنة (ناهيك عن الأهداف غير المُعلنة) بدت بصورة متزايدة غير قابلة للتحقيق، وللتوضيح أكثر يمكننا التأشير على ما يلي:
أولاً: أعلنت كلا الدولتين (الولايات المتحدة وإسرائيل) أنّ من أهدافهما القضاء على المشروع النووي الإيراني، ولكن هل تم ذلك فعلاً وبخاصةً أن ترامب أعلن أنه تم إنجاز ذلك منذ حرب الـ (12) يوماً التي خاضتها الدولتان ضد إيران قبل سبعة أشهر؟، وماذا -وهذا هو الأهم- عن الـ (450) كيلو غرام من اليورانيوم المُخصّب بدرجة 60%؟ هل دمرتها الدولتان؟ هل تعرفان أين هي؟ هل تملكان إجبار إيران على إبرازها لتقليل نسبة تخصيبها؟ أو لنقلها إلى دولة أخرى، أو إتلافها؟ لا أحد يستطيع الإجابة على هذا السؤال المهم!
ثانياً: أعلنت الدولتان (الولايات المتحدة وإسرائيل) أنهما تنويان تدمير البرنامج الصاروخي الإيراني أو على الأقل الاتفاق مع إيران على تقليل مدى هذه الصواريخ، ولكن وبعد مرور شهر تقريباً على الحرب ما زالت الصواريخ الإيرانية تصل إلى إسرائيل، وتدمّر ما تدمره (فضلاً عن وصولها بغير حق إلى دول الخليج العربي والأردن وغيرها)... وهل يُعقل حتى في حال بدء مفاوضات أن توافق إيران على سلبها هذا السلاح الاستراتيجي الوحيد بالنسبة لها (في ظل غياب سلاح جو ودفاع جوي فعّالين) وحتى لو وافقت على ذلك فما الذي سوف يمنعها لاحقاً -ما دامت تملك المعرفة التقنية المتعلقة بهذه الصواريخ- أن توسع مداها في المستقبل؟ هل ستهاجمها الولايات المتحدة وإسرائيل مرةً أخرى؟
ثالثاً: أعلنت الدولتان أنهما بصدد تفكيك أذرع إيران في المنطقة لتحجيم نفوذها (حزب الله اللبناني، الحشد الشعبي العراقي وبالذات بعض الفصائل كحزب الله العراقي وحركة النجباء، وأنصار الله الحوثيين في اليمن) ولكن ما نشهده على أرض الواقع هو أن حزب الله اللبناني يخوض معركة شرسة مع إسرائيل برغم تفوق الأخيرة الكاسح وتقدم قواتها البرية في الجنوب اللبناني وتسببها في نزوح أكثر من مليون لبناني إلى الشمال، ولا يبدو أن الفصائل العراقية قد ضَعُفت نتيجة هذه المواجهة فهي تشن هجمات على سوريا، والأردن، وكردستان العراق، أما الحوثيون فقد بدأوا تدخلهم وليس غريباً أن يلجؤوا إلى إغلاق مضيق باب المندب وضرب السفن في البحر الأحمر بكل ما قد يترتب على ذلك من أضرار للاقتصاد العالمي.
والواقع أن فشل الولايات المتحدة وإسرائيل لا يقتصر على عدم تحقيق الأهداف الرئيسية التي أعلنوها مع بداية الحرب بل يمتد إلى أهدافهم غير المُعلنة وأهمها إسقاط نظام الحكم القائم في طهران، فرغم أنهما تمكنتا من قتل الرجل الأول في البلاد (المرشد الأعلى) وعدد كبير من النخبة العسكرية (رئيس أركان الجيش، رئيس الحرس الوطني...) والسياسية (علي شمخاني، علي لاريجاني...) كما أشرنا آنفاً إلّا أنّ النظام السياسي الإيراني برهنّ على مؤسسية مُلفتة إذْ قام بتعويض القادة بسرعة نسبية واستوعب الضربة الأولى وبدا صامداً ومتماسكاً مع التفاف شعبي واضح، والحقيقة هي أن مجرد صمود إيران في هذه الحرب "غير المتناظرة" هو فشل حقيقي لكلا الدولتين اللتين لا تستطيعان المضي في حرب استنزافية طويلة لأسباب لا يتسع المجال لذكرها هنا.
بقي أن نضيف إلى ما سبق فشل الدولتين (الولايات المتحدة وإسرائيل) في التعامل مع قضية "مضيق هرمز" الذي أغلقته إيران فعلياً (يمر منه الآن أقل من 5% مما كان يمر فيه سابقاً) وبرضا الإيرانيين وموافقتهم، ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أنّ الولايات المتحدة (القوة الأولى في العالم) لم تستطع فعلياً عمل شيء إزاء هذا الموضوع، فرئيسها يستعين أحياناً بحلف الناتو الذي لا يسايره في طلبه، وأحياناً يقول بأنّه لا يحتاج إلى المضيق، وفي أحيان ثالثة يحاول تأليب عدد من الدول لحماية السفن المارّة في المضيق، والمحصلة هي أنّ إيران نجحت حتى الآن في التحكم بهذا المضيق الحيوي لكل العالم (تمر منه أكثر من 20% من نفط وغاز العالم)، بل وتطالب بالاعتراف به ممراً إيرانياً وأنّ لها الحق في تقاضي رسوم عليه كما هو الحال بالنسبة لقناة السويس المصرية!!
وختاماً فإنّ الولايات المتحدة وإسرائيل بدأتا حرباً غير قانونية وغير مُبرّرة برأي الكثيرين (ومنهم أمريكيون، وغربيون كالرئيس الألماني والرئيس الإسباني)، وبأهداف غير واضحة ومتغيرة وها هما تواجهان احتمالية الفشل في تحقيق هذه الأهداف غير القابلة للتحقيق وبغض النظر عن طبيعة النظام الإيراني الذي تواجهه والذي يمكن أن يُسجّل عليه الكثير وبخاصة من وجهة نظر عربية.