لا كرامة لنبي في قومه: قراءة في مفارقات التقدير الإنساني
د. عبدالحفيظ العجلوني
31-03-2026 01:58 AM
يُقال في المأثور الشعبي: “الإفرنجي برنجي”، في إشارةٍ دالّة إلى ميلٍ متجذّر في النفس لتفضيل البعيد على القريب، والمجهول على المعلوم. وهي حكمة دارجة تختصر جانبًا من ظاهرةٍ أعمق، عبّرت عنها عبارة: “لا كرامة لنبي في قومه”.
ليست هذه العبارة مجرد حكمة عابرة، بل توصيف دقيق لظاهرة إنسانية متكرّرة، تتجلّى في أدق تفاصيل علاقاتنا اليومية. فنحن –في كثير من الأحيان– لا نقيس الناس بميزان موضوعي واحد؛ بل نمنح الغرباء ميزة نحجبها عمّن نعرفهم، ونُضفي على المجهول هالةً من التقدير، في الوقت الذي نُبخس فيه القريب حقه، لا لقصورٍ فيه، بل لفرط معرفتنا به.
في علاقاتنا الاجتماعية والمهنية، ننظر إلى من عاصرناهم منذ بداياتهم نظرةً تختلط فيها الذاكرة بالحُكم، فنستحضر صورهم القديمة: طالبًا متواضعًا، أو موظفًا مبتدئًا، أو شخصًا في طور التشكّل. ومع مرور الزمن، ورغم ارتقاء بعضهم في مدارج العلم والعمل، يبقى ذلك “الأرشيف الذهني” حاضراً، يُلقي بظلاله على تقديرنا لهم. فنغفل –أو نتغافل– عن مآلات حاضرهم، ومسارات جهدهم الطويل، وتضحياتهم الصامتة، وخبراتهم المتراكمة، وما بلغوه بصبرٍ ومثابرة، ونظل أسرى صورةٍ قديمة لم تعد تعبّر عن واقعهم.
في المقابل، حين نواجه شخصًا لا نعرف تاريخه، نتعامل مع موقعه لا مع مسيرته الغائبة عنا، فنمنحه تقديراً يتناسب مع موقعه والمنصب الذي تقلّده، بعيداً عن معرفة حقيقية به. فنفترض فيه الكفاءة، ونُحسن الظن بجداراته، ونقول في أنفسنا: “لو لم يكن مستحقاً، لما وصل”. وهنا تتجلّى المفارقة: نُحسن الظن بالغريب لجهلنا بتفاصيله، ونُسيء تقدير القريب لأننا نظن أننا نعرفه حق المعرفة.
هذه الازدواجية في الحكم ليست دائماً وليدة قصدٍ أو تحامل، بل هي نتاج طبيعي لتأثير الذاكرة، وما تخلّفه من صورٍ ثابتة تقاوم التحديث. كما أنها ترتبط –في جانبٍ منها– بنزعة نفسية خفية، قد تميل إلى مقاومة تفوّق القريب منا، لأن صعوده يذكّرنا بمساراتنا نحن، وبما أنجزناه أو لم ننجزه. وهكذا، يتحوّل نجاحه إلى مرآة لا نرتاح دائماً لما تعكسه.
غير أن هذه النظرة، إن استقرّت، تُنتج بيئةً طاردة للكفاءة ومحبِطة للإنجاز. فحين يشعر الإنسان أن مجتمعه الأقرب لا يُقدِّره، أو أنه يُحاكمه بماضيه لا بحاضره، يفقد جزءاً من دافعيته، أو يبحث عن الاعتراف في دوائر أبعد، حيث يُقاس بإنجازه لا بذاكرة الآخرين عنه.
إن العدالة في التقدير تقتضي أن نُعيد النظر في معاييرنا، وأن نفصل بين المعرفة الشخصية والتقييم الموضوعي. فمعرفتنا بالإنسان يجب أن تكون سبباً لإنصافه، لا ذريعةً للانتقاص منه. كما أن من الإنصاف أن نُحدِّث صورنا الذهنية، وأن نعترف بأن الإنسان كائن متحوِّل، لا يُختزل في بداياته، ولا يُحبس في ماضيه.
في النهاية، لعل التحدّي الحقيقي ليس في أن نُقدّر الغرباء، بل في أن نُحسن تقدير من نعرفهم، وأن نخضع الجميع للمعايير الموضوعية ذاتها عند قياس الجدارة والكفاءة. فالقريب أولى بالإنصاف، لأنه أقرب إلى الحقيقة؛ إذ شهدنا مسيرته كاملة لا مجتزأة. وعندها فقط، نفهم الحكمة على نحوٍ أعمق: ليست المشكلة أن “لا كرامة لنبي في قومه”، بل أن القوم لم يتعلّموا بعد كيف يُنصفون من يعرفون، ويضعونهم في المنزلة التي تليق بهم.