منن الردع إلى التصعيد: قراءة في العلاقات الثلاثية سيناريوهات المستقبل
د. إسلام فايز الخلايلة
31-03-2026 11:13 AM
يشهد العالم اليوم العديد من التحولات المتسارعة، ونسلط الضوء على ما تشهده منطقة الشرق الأوسط من حالة التوتر والقلق وعدم الاستقرار السياسي، تتأثر فيها الأوضاع الأمنية والسياسية والاقتصادية في حين تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران المشهد الحالي في المنطقة، كانت هذه العلاقة الثلاثية قائمة على قواعد الردع التقليدي، أما اليوم فإننا نشهد حالة من التصاعد المحسوب الذي يتجاوز الحسابات التقليدية للردع نحو ديناميكيات تصعيد أكثر تعقيدا حاملا بين طياته احتمالات الانفجار وربما فرص الاحتواء.
منذ عقود يعد مبدأ توازن الردع هو الإطار المنظم للعلاقة بين هذه الدول، كل طرف يسعى لوضع خطوط حمراء يمنع تجاوزها، رغم استمرار هذا التوازن لفترات طويلة إلا أنه يفتقد ضمانات بقائه واستمراره ما يثبت ذلك هشاشته وقابليته للاهتزاز مع كل متغير إقليمي أو دولي.
بالنسبة للولايات المتحدة فإن أهدافها في الشرق الاوسط واسعة وشاملة (اقتصادية، سياسية، عسكرية) ويعد التواجد العسكري في الشرق الأوسط جزءا من السياسة الخارجية الأمريكية، فهي تسعى للبقاء كقوة عالمية في المنطقة مع منع صعود أي قوة إقليمية سواء كانت إيران أو تركيا أو أو قد تحاول فرض هيمنتها على المنطقة، في الوقت ذاته تسعى دائما إلى استقرار المنطقة وذلك للحفاظ على استقرار وأمن الطاقة والتجارة الدولية، وهنا تبرز علاقتها الوثيقة بإسرائيل التي تعد جزءا من السياسة الخارجية لها، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بتقديم الدعم العسكري والسياسي والاقتصادي لها وهو ما يعزز قدرتها على الردع.
أما بالنسبة لإسرائيل فإن الأمن القومي الإسرائيلي يقوم على أساس الوقاية الاستباقية أي منع تشكيل أي تهديد، إذن فهي لا تنتظر الخطر الفعلي وإنما تنظر إلى ما قد يحدث، وهذا يعني أنها تجد في أي صعود إيراني خطر إستراتيجيا وتحديا طويل الأمد، هنا تأخذ إسرائيل مسارين في سياستها مع إيران المسار الأول يعتمد على العمل العسكري المحدود أما الثاني فهو الضغط الدبلوماسي الذي يتم بتنسيق مع بعض الحلفاء، لكن لا تضع في مخططاتها السياسية سواء الحفاظ على تفوقها.
أما إيران فهي تسعى إلى تفوق إقليمي في ظل العديد من التحولات في المنطقة خلال العقود الأخيرة فهي تضع الصعود الإقليمي في مقدمة سياساتها الخارجية وتحاول في إطار ذلك توسيع نفوذها ما بين قوة عسكرية وأخرى ناعمة فمن وجهة نظرها فإن كل هذه الضغوط لأقصائها من بين القوى الإقليمية.
اليوم تشهد هذه المنطقة (تصعيدا محكوم) الأطراف جميعها ترفض المواجهة المباشرة في حين تبقى في حالة تجاوز مستمر للحدود، وهذا من أخطر أنواع الصراعات حيث يعتمد على توازن دقيق قد ينهار نتيجة أي خطأ من أي طرف.
ويتضح في هذا الإطار دور الدبلوماسية كصمام أمان والتي تعمل كقنوات اتصال بين الأطراف الثلاث (الولايات المتحدة الأمريكية وإيران وإسرائيل) تحاول احتواء الأزمة ومنع تفاقمها، فالعالم أجمع يدرك أهمية الشرق الأوسط وخطر الانجراف نحو حرب شاملة فيه قد تتجاوز الحدود الجغرافية.
سيناريوهات المستقبل.
الأصل أن العلاقة بين هذه الدول لا تسير بشكل خطي وثابت بل تتغير بشكل مستمر متكرر مما يزيد من صعوبة التنبؤ وتعدد السيناريوهات التي يمكن الاطلاع على أهمها حيث تتراوح بين التصعيد والانفراج:
السيناريو الأول: التصعيد الشامل المستمر ويقوم على أساس مواجهة مباشرة بين الأطراف، وهو السيناريو الأقل احتمالا من وجهة نظري لأن الأطراف جميعها تعي الخسائر الفادحة التي تترتب على هذه المواجهة بالإضافة إلى التكاليف العالية لها، إلا أنه غير مستثنى في ظل التوترات القائمة في المنطقة.
السيناريو الثاني: التصعيد المحدود ويقوم هذا على إدارة الصراع وهو الأقرب إلى الواقع والأكثر ترجيحا في الفترة الحالية حيث يستمر التوتر والتصعيد دون الوصول إلى مرحلة الحرب الشاملة، ويشمل عمليات محدودة وتحركات سياسية مدروسة تحاول جميع الأطراف الضغط دون الوصول إلى الانفجار الكبير.
السيناريو الثالث: الاحتواء والتسوية ويقوم على أساس نجاح العمليات الدبلوماسية وقدرتها على منع التصعيد وتخفيض حدة التوتر، والوصول إلى اتفاقيات جزئية أو مستمرة مما يضمن وقف التصعيد وهو السيناريو المعتمد على الجهود الدولية والإقليمية والضغط على الأطراف المعنية.
السيناريو الرابع: إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية حيث تقف منطقة الشرق الاوسط دائما على حافة التغيير مما يضع احتمال بإعادة توزيع النفوذ بين القوى، وذلك يحدث نتيجة تحالفات الجديدة أو تغيير في موازين القوة.
السيناريو الخامس: اللاستقرار المزمن يقوم على أساس بقاء المنطقة في حالة توتر لفترة طويلة دون حسم، أي انعدام الاستقرار السياسي فيها واستحالة الوصول إلى حل جدري، وهو السيناريو الأخطر والأسوأ حيث يؤدي إلى استنزاف الأمن والاقتصاد وتتأثر به بشكل مباشر الدول العربية المجاورة.
السيناريو السادس: الحرب الوكالة أي يدخل في الصراع أطراف إقليمية أخرى بدلا عن المواجهة المباشرة، تبقى أطراف الصراع على حالها، ويتم نقل التوتر إلى ساحات مختلفة كما هو الحال سابقا في الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي، وهو الأقل كلفة من المواجهة المباشرة لكنه الأكثر تعقيدا والأطول أمداً.
السيناريو السابع: الانفراج الجزئي وهو الجلوس على طاولة التفاوض والوصول إلى حلول، والنقاشات في العديد من الملفات وربما تحدث اتفاقيات مؤقته، إلا أنها لا تحمل بين طياتها حلا شاملا للصراع، يخفف حدة التوتر لكنه لا ينهيه.
السيناريو الثامن: التحول المفاجئ هنا تحدث تغيرات مفاجئة غير متوقعة ربما في القيادة أو السياسيات أو الاستراتيجيات أو ضغوط دولية كبيرة أو أي حدث يؤدي إلى تغيير سريع في المسار ربما تصعيد أو تهدئة.
السؤال هنا ما السيناريو الأكثر ترجيحا والأقرب للواقع؟
السيناريو الأقرب للواقع في تقدير الباحثة وفي أغلب التحليلات السياسية هو التصعيد المحدود وإدارة الصراع حيث يؤكد على استمرار حالة التوتر بين الأطراف دون الوصول إلى حرب شاملة، يقوم على استمرار التوتر مع تصريحات حادة من الأطراف واستمرار العمليات العسكرية المحدودة والغير مباشرة تتراوح بين تصعيد وتهدئة.
هذه الإجابة تضعنا أمام تساؤل جديد، لماذا يعد هو السيناريو الأكثر ترجيحا؟
هناك العديد من الأسباب التي تساهم في ترجيح هذا السيناريو لدى العديد من التحليلات إليكم أهم هذه الأسباب:
1) التكلفة المرتفعة للحرب الشاملة على الأطراف جميعها سواء الاقتصادية أو السياسية أو العسكرية.
2) وجود توازن ردع بين الأطراف رغم ضعفه مما يجعل تجاوز الخطوط الحمراء ممنوعا.
3) وجود ضغوط دولية تمنع التصعيد وتحاول احتواء الصراع عبر الوساطة بين الأطراف.
4) تستطيع الدول تحقيق مكاسبها بالعديد من الوسائل غير المباشرة دون الحاجة إلى الحرب الشاملة.
أخيراً لا يوجد معادلة أكيدة والرهان الحقيقي يعتمد على الحكمة السياسية والقدرة على إيجاد حلول بأقل الخسائر وتغلب لغة الحوار على منطق الصدام، الصراعات اليوم لا تقدر خسائرها بالخسائر المادية والاقتصادية والعسكرية وإنما تؤثر على استمرار المنطقة ومستقبل الأجيال.