facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




إعادة ضبط المصنع


د. ربا زيدان
31-03-2026 01:07 PM

تخيل أن تقع في الحب للمرة الأولى من جديد ، هذه المرة دون خوف، ودون أن تتحسس مواضع الكدمات ولا تتلمس الندوب التي خلّفها هذا- الفعل الثوري المسمى الحب - في أحشاءك..
أن تقدم على هذه المغامرة مجددا ليس لأنك نسيت الألم .بل لأن شيئاً ما فيك… توقّف عن استخدام الذاكرة كدرع.

ماذا لو تسنى لك أن تشعر مجددا بالدهشة الحيّة التي اعترتك حين وطئت قدماك أخيراً مدينة كنت تعرفها فقط عبر الصور اللامعة على صفحات المجلات لكنك الآن تعبر شوارعها الضيقة مستنفراً حواسك الستة لتذوقها واستنشاقها وحفظ تفاصيلها.

تخيل أن تتمكن من قراءة روايتك المفضلة للمرة الأولى وأن ترسم ملامح أبطالك كما تشاء دون أن تسبقك إليها الشاشات أو رؤى المخرجين؟

كيف يمكن أن تكون لذّةُ التعرف على العالم بعينين جديدتين بالكامل؟

إعادة ضبط المصنع.

لعل هذا الفعل الميكانيكي الذي نرمم به أعطال أجهزتنا التقنية طوال الوقت ليس بهذه " القسوة" التي نعتقدها..

لعلنا نحتاج ايضا لإعادة ضبط إعداداتنا البشرية من جديد.. لا لعطل تقني أصابها..
بل لأننا امتلأنا أكثر مما ينبغي..

تخيل أن تتاح لنا حرية أن نلقي بكل ما تشرّبناه وتعلمناه على قارعة الطريق، ويمنحنا القدر فرصة أن نملأ كل هذه الصفحات التي ندعوها أعمارنا، مرة أخرى بما نشتهي، وما نحترم وما نؤمن به فعلا كما لو أنها المرة الأولى البكر .. .

تبدو "إعادة ضبط المصنع" فكرة مغرية كلما تراكمت فينا التجارب التي تسلبنا القدرة على الدهشة وتحرمنا متعة التعلم والتجريب..

في هذه المساحة إن تحققت، يحدث شيء نادر.

نصبح أكثر خفة، يملأنا " الفراغ " .

نصبح أقل امتلاءً بالتوقع، وأقل خضوعا للحذر،

في هذا الفراغ، تحدث أشياء بسيطة : قد نستعيد دهشة "المرة الأولى"... قد نتمكن من أن نسافر دون نعقد المقارنات بين الوجهات التي نعرفها، قد نسلم أنفسنا للحب دون أن نحتمي بخيبات سابقة.

ماذا لو مُنِحنا ترف العودة إلى طبيعتنا الأولى، قبل أن نتعرض لكل عوامل الحتّ والتعرية والتغيير والتغييب.. قبل جرعات الإعلام، والدعاية وتقاليد العائلة والثقافات المهيمنة التي تعيد جميها تعريف ما هو “صحيح” و”مقبول” و”طبيعي” و" مستحبّ" و" ثوري" و" مستحيل" في أفئدتنا.

هنا، لا يغدو “إعادة الضبط” فعل محو، بل استعادة. استعادة لقدرتنا على الشعور قبل الفهم المطلق والتأويل، وعلى التعاطف قبل الحكم، وعلى رؤية الأشياء دون أن تمر قبل أن ترسخ في أرواحنا عبر كل هذه الفلاتر الجاهزة.

هذا لا يعني أن ننسى كل ما مررنا به بالمطلق ، ولا أن نتجاهل التأثير غير الملوس للذكريات والتجارب والخيبات والانتصارات التي شكّلتنا، بل أن نعيد ترتيب علاقتنا بها. أن لا تكون هي المرجع الوحيد لكل ما يأتي.. أن ننسى "مسلمّاتنا" عن الحياة لوهلة في سبيل رؤية طازجة وغضّة .. تمنحنا فرصة أن نحيا من جديد دون قيود فكرية أو عاطفية، دون عبء " اننا نعلم"..

ليس الهدف أن نتنكّر لكلّ ما كنّاه، بل أن نفكّ ارتباطنا التلقائي بما نعرفه ونظن أنا نعرفه..

في هذا الفراغ، قد تحدث أشياء مذهلة : قد نستعيد دهشتنا البكر... قد نتجوّل دون نعقد المقارنات بين الوجهات التي نعرفها، قد نتمكن من ان نمارس عملية التحرّر الفكري ” ( unlearning) كتمرد مشروع ، واستعادة لحقٍ بسيط وثمين، بعد أن منحنا فرصة أخرى..

أن نكون ... كما لو أنها المرة الأولى..
امتياز ٌ نتوق إليه ....





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :