إعدام الأسرى تشريع عنصري يفضح زيف دولة الإحتلال
المحامي الدكتور هيثم عريفج
31-03-2026 01:48 PM
لم يعد ممكنًا للكيان بعد اليوم الاختباء خلف شعارات الديمقراطية وسيادة القانون وحق الدفاع عن النفس . فإقرار الكنيست الإسرائيلي يوم 30 آذار/مارس 2026 لما يُعرف بـ قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين يكشف، مرة جديدة، الوجه الحقيقي للكيان المحتل ، نظام عنصري يستخدم التشريع أداةً للانتقام، ويحوّل القانون من وسيلة عدالة إلى وسيلة قتل على الهوية. فقد أُقر القانون بأغلبية 62 مقابل 48، وجعل عقوبة الإعدام هي العقوبة الأصلية بحق فلسطينيين يُدانون أمام المحاكم العسكرية بارتكاب هجمات قاتلة، مع حديث عن التنفيذ شنقًا خلال 90 يومًا، وهو ما يؤكد أننا لا نتحدث عن تعديل إجرائي عابر، بل عن تحول خطير في فلسفة العقاب وتطبيقها بحق الفلسطينيين فقط بشكل عنصري .
هذا القانون ليس فقط قاسيًا ومتطرفًا، بل باطل أخلاقيًا ومخالف قانونيًا من أساسه ، لأنه لا يقوم على مبدأ المساواة أمام القانون، بل على تمييز مقصود بين البشر بحسب هويتهم القومية. فجوهره العملي أنه يوجّه العقوبة الأشد، أي الإعدام، إلى الفلسطينيين الخاضعين أصلًا لمنظومة محاكم عسكرية استثنائية في ظل احتلال ظالم ، في حين لا يطبق العقوبه ذاتها على الإسرائيليين اليهود في الجرائم المماثلة. وهنا تسقط كل المزاعم الإسرائيلية عن دولة القانون او العدالة او القضاء المستقل و عن المعايير الموحّدة ، لأن هذا التطبيق يعد فصل عنصري مقنّن.
من منظور القانون الدولي، فالمخالفة هنا واضحة وصريحة وفاضحة. خبراء الأمم المتحدة دعوا في 4 شباط/فبراير 2026 إلى سحب مشروع القانون، مؤكدين أنه ينتهك الحق في الحياة ويميز ضد الفلسطينيين في الأرض الفلسطينية المحتلة. وقبل ذلك، حذر مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك من أن هذه المقترحات تتعارض مع القانون الدولي على عدة مستويات. هذا يعني أن الاعتراض ليس خطابًا سياسيًا من خصوم إسرائيل، بل موقف قانوني صادر عن أعلى المرجعيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان. وعندما يُفرض الإعدام داخل بيئة احتلال، وعبر محاكم عسكرية، وبصورة تستهدف جماعة قومية بعينها، فإن النتيجة القانونية الأقرب هي الحرمان التعسفي من الحياة تحت غطاء تشريعي.
الأخطر أن هذا القانون لا يأتي منفصلًا عن السياق، بل ينسجم تمامًا مع بنية قانونية وسياسية سبق أن وصفتها محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر في 19 تموز/يوليو 2024 بأنها تتضمن تشريعات وممارسات تمييزية، وأنها تنتهك حظر العزل العنصري والفصل العنصري في الأرض الفلسطينية المحتلة. لذلك فإن قانون إعدام الأسرى ليس شذوذًا داخل النظام الإسرائيلي، بل هو امتداد طبيعي لمنظومة ترى الفلسطيني أقل استحقاقًا للحقوق ، وأقل أهلية للحماية، وأكثر قابلية لأن يُقتل باسم القانون. وهذه، في جوهرها الفكرة نفسها التي عرفها العالم في قوانين الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، قانون يطبق لصالح فئة مهيمنة، وقانون آخر يطبق على فئة مقموعة واقعة تحت السيطرة الاسياد .وهنا نقول ان العالم الذي رفض تلك القوانين بالأمس، لا يمكن له أن يصمت عن نسختها الجديدة اليوم.
إن هذا القانون لا يثبت قوة إسرائيل كما يزعم أنصاره، بل يثبت إفلاسها القانوني والأخلاقي. فالدولة التي تدّعي احترام القانون لا تقر تشريعًا يشرعن عقوبة الإعدام على الهوية، ولا تجعل من الاحتلال قاضيًا وجلادًا في آن واحد. وما جرى في الكنيست ليس انتصارًا للكيان يستدعى الاحتفال بفتح زجاجات الشمبانيا بصورة تظهر العنصرية والتشدد بأوضح صورة ، بل إدانة جديدة له يصرّ في كل مرة على أن يفضح بنفسه طبيعته العنصرية، وعداءه الصريح لمبادئ القانون الدولي التي يتظاهر باحترامها أمام العالم. إنّه قانون عنصري بكل معنى الكلمة، لا يحمي الأمن ولا يحقق الردع، بل يرسخ حقيقة واحدة: أن هذا الاحتلال لا يريد عدالة، بل يريد شرعنة القتل بحق الفلسطيني الذي يملك حقا شرعيا بالمقاومة في ظل احتلال مقر دوليا .