خرائط الانتماء الرقمية وهندسة الميول خوارزميًا
د. ناجي القبيلات
01-04-2026 10:26 AM
في العوالم المتحضرة، كفَّ مختصو الرأي العام ودارسو الانزياحات الاجتماعية عن الاتكاء على الأدوات التقليدية المُعتمدة على استطلاعات محدودة وعامة كالاستبانات لقياس انطباع الأفراد والمجتمعات أو فهم اتجاهاتهم وميولهم، لتتجه نحو تحليل البيانات الكمية الضخمة ضمن حقلٍ علميٍ يُعرف بـ (Computational Social Science) في فهم الحراك الاجتماعي الإنساني في بيئاته الرقمية المعقدة ممثلة بمنصات التواصل الاجتماعي، التي وفرت مخزونًا هائلًا لبيانات تعكس مستويات الثقة والانتماء والاتجاهات العامة بما يسمى البصمة الرقمية للمجتمعات (Digital Social Footprint)، حيث أظهر الذكاء الاصطناعي قدرة مهولة على تحليل التفاعلات النصية والرمزية، واستخلاص أنماط دقيقة من الرأي العام ضمن مجالات علمية متخصصة مثل (Sentiment Analysis) و(Trend Prediction) لتفضي إلى تحسين الخطاب العام والتخطيط الإستراتيجي نتيجة لإعادة تعريف العلاقة بين هذه المجتمعات وصانعي القرار فيها.
ومن جهة أخرى، وعند التبحر بعمق في تحليل الشبكات الاجتماعية (Social Network Analysis) ودراسة بنية التفاعل المجتمعي فيها، يتكشف لنا وجود تجمعات رقمية مرسخة للأفكار المتشابهة ومقيدة بأطر ثقافية وفكرية معزولة عن وجهات النظر الأخرى، مستوطنة بما يُعرف بغرف الصدى (Echo Chambers)، لها تأثير مباشر معزز للتماسك داخل المجموعة أو مثبط للثقة بنفس المستوى، إضافة إلى أن تشكل القيم الأساسية كمفهوم الولاء أو الانتماء الذي لا تعكسه إيجابية التفاعل أو سلبيته وكثافته عبر الشبكات الرقمية.
ولأن الانتماء الانتساب الحقيقي لكيان الوطن ومجتمعاته، وفهمه رقميًا يتخطى تحليل المشاعر العامة ويتطلب تعمّقًا متقدمًا من تحليل الرأي يحدد فيه موقف الأفراد من قضايا معينة (Stance Detection)، ويتصل بمدى التماهي مع القضايا الوطنية أو التفاعل معها؛ فإن دراسته توفر فهمًا أكثر دقة للسلوك السياسي والاجتماعي مقارنة بتحليل المشاعر التقليدي. ومن هنا، يصبح مفهوم خرائط الانتماء الرقمية أداة تحليلية تعكس توزيع الانتماء وفقًا لعوامل مختلفة وصولًا إلى تشكيل المواقف تجاه التِقانة الحديثة وأدواتها (Trust in AI)، وبالضرورة رسم الموقف من التفاعل معها ومع ما تنتجه من محتوى، ليسهم في تخطى القدرة التنبؤية بالسلوك الاجتماعي والقيمي ضمن البعد النظري إلى إمكانية استنتاج السمات النفسية لأفراد أي مجتمع من خلال آثارهم الرقمية (Digital Footprints)، آخذين بالاعتبار تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) التي تؤكد الحقيقة الكامنة خلف إنشاء منصات التواصل على أنها صُممت كأداة تأثير في سلوك مستخدميها وميولهم (Persuasive Technologies) وليس فقط قياسها، وعليه، يمكن توظيفيها في تصميم سياسات أكثر توافقًا مع واقع التفاعل الاجتماعي ضمن مفهوم (AI-driven Policy Design)، دون مس حدود التأثير المشروع وأهم مفاهيمه: التحيز الخوارزمي (Algorithmic Bias) وغياب الشفافية (Lack of Explainability) التي تعكسها بنية البيانات التي تُغذيها.
وفي ضوء ما سلف، فإن فكرة هندسة الانتماء خوارزميَا لا تعني بالضرورة إعادة تشكيل المجتمع بقدر ما تشير إلى إمكانية استخدام المعرفة المستمدة من البيانات في تصميم تدخلات أكثر دقة وفعالية، سواء في التعليم أو الإعلام أو السياسات العامة، بل هي عملية تحقيق التوازن بين الاستفادة من هذه الأدوات والحفاظ على القيم الأساسية مثل الخصوصية، والشفافية، واستقلالية الأفراد، وبمعنى أدق، التحول من قراءة الانتماء إلى نمذجته (Modeling) أو التأثير فيه. وفي هكذا مستوى مفاهيمي وقيمي، تبرز أهمية دراسة البيانات وفق نوعها وكيفية تشكلها، ومَن قائلها ووقت إدراجها وموقعه، ولا يمكن بأي شكل الارتكان إلى عامل التكرار على أنه المنهج العلمي في عكس الواقع وتعقيداته الاجتماعية.