عهدنا مع السماء .. علّمنا الآباء أن الميزان لا يختلّ، لأن العدل يسكن كفّتيه
د. ايمان الشمايلة
01-04-2026 11:14 AM
ليست الكلمات وحدها ما يصنعنا، بل الأثر الذي يزرعه الآباء في بناتهم… أثرٌ يمشي فيهنّ كنبضٍ لا يخفت.
كل فتاةٍ حملت أثر والدها لم تكبر عبثًا، ولم تتشكّل صدفة، بل نُسجت على مهل بين يدٍ تهذّب، وقلبٍ يعلّم، وعينٍ ترى أبعد من اللحظة.
ومن هنا بدأ العهد… لا حبرًا على ورق، بل خُلُقًا يسري فينا، وعلمًا يرفعنا، ودينًا يهدينا، حتى صار سمتًا لا نتخلّى عنها مهما ازدحمت الطرق وتغيّرت الوجوه.
كبرنا، ولم نكن ساذجات أمام الحياة، بل دخلناها بوعيٍ يتشكّل مع كل تجربة، وببصيرةٍ تتّسع كلما ضاقت المواقف. أدركنا أن العالم لا يُقرأ من ظاهره، وأن خلف كل تصرّف حكاية، وأن التسرّع في الحكم قصر نظرٍ لا حدّة ذكاء. فصرنا نُمسك بقلوبنا قبل ألسنتنا، ونزن كلماتنا قبل أن ننطقها، لأننا نعلم أن الكلمة إن خرجت بلا وعي، قد تهدم ما لا يُبنى في سنين.
ومن عمق ما مررنا به، تسرّبت إلينا حقيقة لم تُلقّن، بل فُهمت: أن القوة ليست في حدّة الردّ، بل في القدرة على تجاوزه، وأن الهدوء ليس انسحابًا، بل سيطرة، وأن الصمت—حين يلزم—لغة أرفع من الكلام. تعلمنا أن نرى الاختبارات بوجهتها الكاملة، وأن نرتقي عن الصغائر لا عجزًا، بل وعيًا بما نستحق أن ننشغل به.
تربّينا على أن الدين ليس طقسًا عابرًا، بل بوصلة لا تخطئ الاتجاه، وأن العلم ليس شهادة تُعلّق، بل نور يُنقذنا حين تشتبك الطرق. وبين هذا وذاك، تشكّلت فينا كل فتاة… التي لا تُقاس بارتفاع صوتها، بل بعمق رؤيتها، ولا بانتصاراتها الظاهرة، بل بثباتها.
ولكل فتاةٍ حملت في داخلها أثر طيب وكل من تعلّمت أن تكون كبيرة قبل أوانها، وأن تمسك قلبها حين يفلت العالم من حولها، كل من أدركت أن التربية تزرع فيها ميزانًا تمشي به الحياة.
ومع امتداد الطريق، لم يعد العهد فكرة نحملها، بل طريقة نعيش بها… في كل موقف نُختبر فيه، وفي كل قرار نُسأل عنه أمام أنفسنا قبل الناس. تعلّمنا أن الاتزان نجاة، وأن الصدق حضور، وأن الإنسان لا يُقاس بما يُظهره، بل بما يثبُت عليه حين لا يراه أحد. فصرنا نختار بعناية، ونصمت بوعي، ونتكلّم حين يكون للكلمة وزن ومعنى.
وهكذا، دون أن نشعر، أصبحنا نحمل رسالة عظيمة ونمر بين الناس بخفّة أثر، وثِقَل معنى، لا نبحث عن إثبات، ولا نركض خلف اعتراف، لأن ما زُرع فينا من يقين، يغنينا عن كل تصفيق. صرنا نعرف أن الفتاة التي بُنيت على خُلُقٍ وعلمٍ وإيمان، لا تُربكها المواقف بل تُهذّبها، ولا تُكسرها الأيام بل تصقلها.