حين يتحوّل وجع الناس إلى تجارة… من يحاسب تجّار الأزمات؟
محمد مطلب المجالي
01-04-2026 01:24 PM
في كلّ مرة تمرّ فيها المنطقة بظرفٍ سياسي أو أمني أو اقتصادي مضطرب، يظهر في الأسواق وجهٌ آخر للأزمة؛ وجهٌ لا علاقة له بالحرب ولا بالمضائق البحرية ولا بسلاسل التوريد، بل هو وجه الجشع والطمع واستغلال خوف الناس. فما إن يُذكر احتمال إغلاق مضيق هرمز أو تتصاعد نبرة الحرب في نشرات الأخبار، حتى تبدأ بعض الأسواق بالاشتعال: أسعار تقفز فجأة، وسلع ترتفع أثمانها بلا مبرّر حقيقي، وتبريرات جاهزة تُعلَّق على شماعة الظروف الدولية.
لكن الحقيقة التي يعرفها المواطن قبل غيره أن كثيرًا من هذا الارتفاع لا علاقة له بالأزمة بقدر ما له علاقة بعقلية المتاجرة بالأزمات. لقد أصبح بعض التجّار — إلا من رحم الله — خبراء في صناعة الأعذار؛ فإن ارتفع النفط قالوا كلفة النقل، وإن انخفض قالوا البضاعة القديمة، وإن هددت حرب قالوا المخزون سيتأثر، وإن هدأت الأمور قالوا إن الأسواق العالمية لم تستقر بعد. وهكذا يدور المواطن في حلقة مفرغة من التبريرات، بينما الحقيقة واضحة: الأسعار ترتفع بسرعة الصاروخ لكنها لا تعود إلى مكانها أبداً.
إن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس ارتفاع الأسعار وحده، بل تحويل الأزمات الوطنية إلى فرصة للثراء السريع، وكأن الوطن سوق مفتوح للمضاربة لا بيت يجمع أبناءه على المسؤولية والتكافل. فالوطن في أوقات الشدّة يحتاج إلى تجّار شرفاء يقفون مع الناس لا إلى من يضيف عبئاً جديداً على كاهلهم، ويحتاج إلى ضمير حيّ قبل حاجته إلى الربح.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: أين الرقابة؟ أين الجهات التي يفترض بها مراقبة الأسواق وضبط الأسعار ووضع حد للفوضى التي تستنزف جيوب المواطنين؟ وأين المحاسبة لمن يرفع الأسعار بلا مبرّر ويستغل حالة القلق العام لتحقيق أرباح غير مشروعة؟
إن ترك الأسواق بلا رقابة حقيقية يفتح الباب واسعاً أمام فوضى اقتصادية وأخلاقية، ويجعل المواطن يشعر أنه متروك لمواجهة جشع البعض وحده. وليس خافياً أن تجّار الأزمات أخطر على المجتمع من الأزمات نفسها، لأنهم يستثمرون في خوف الناس واحتياجاتهم الأساسية.
فالتجارة في أصلها عمل شريف يقوم على الأمانة والعدل والرحمة، لكن حين تتحول إلى استغلال لحاجة الناس فإنها تفقد قيمتها الأخلاقية وتتحول إلى عبء على المجتمع. فالوطن ليس صفقة، والأزمات ليست موسماً للربح السريع، وجيوب المواطنين ليست حقولاً مفتوحة لجشع البعض.
إن المسؤولية اليوم تقع على عاتق الجميع: الحكومة برقابتها الصارمة، والتجار بضمائرهم المهنية، والمجتمع بوعيه وموقفه. فحين تتحول الأسواق إلى ساحة مفتوحة للجشع، فإن الخاسر الحقيقي ليس المواطن وحده… بل الوطن كله.