"إعادة ضبط المصنع" بين "الفرمتة" والبقاء
هبة الكايد
02-04-2026 01:02 PM
كم سحرتني فكرة "إعادة ضبط المصنع" التي طرحتها صديقتي "الإعلامية الأجمل في هذا الكون د. رُبا زيدان" في مقالها اليوم؛ وهي فكرة أن نمنح أرواحنا فرصة ثانية للترميم والعودة لعهدها الأول بـ "خفّة"، كلماتُها لم تمر عابرة على مسمعي، بل كانت بمثابة دعوةٍ لاستفزاز القلم، والوقوف طويلاً أمام ذاكرةٍ أثقلها الزحام.
فعلا، أن تعود إلى "البداية البكر" هو عرضٌ مغرٍ للغاية، فنحنُ، وفي غمرة الركض، ننسى أن جيوب أرواحنا تمتلئ بعناء تجاربٍ لا تشبهنا، وبخيباتٍ تراكمت حتى سدّت منافذ الضوء التي كانت "لوهلة ما" تريد أن تتسلل إلى أرواحنا، فتجدنا نحتاج فعلاً لعملية "مسحٍ" شاملة لكل تلك البيانات المرهقة، والتوقعات التي لم تُثمر إلا ذبولاً، بل ونحتاج إلى أن نتخلص من "الأحمال الزائدة" من البشر الذين استنزفوا ضحكاتنا، وحولوا طاقاتنا الصاخبة إلى صمتٍ مُرعب وغير مفهوم، حتى بات كل هذا يُثقل تفكيرنا، ويثبط من عزائمنا في كثير من الأمور.
لكن، ومع كل الرغبة في "الفرمتة"، اكتشفتُ أن هناك استثناءً لا يخضع لبرمجيات النسيان، هناك فئة من البشر تسكن في أعمق نقطة بداخلنا، في منطقةٍ "محمية" لا يصل إليها زر المسح ولا يطالها خيار الحذف، هؤلاء ليسوا مجرد "بيانات" عابرة في الذاكرة، بل هم "نظام التشغيل" ذاته؛ هم الطاقة التي تمدّنا بالقدرة على الاستمرار، والأساس الذي لا يقوم وجودنا بدونه.
وبصراحة، إن إعادة ضبط المصنع ليست هروباً، بل هي سلاحنا لنستعيد ذواتنا ممن سلبونا جمالها، لنفسح المجال من جديد -وبقلبٍ نقي- لأولئك الذين يستحقون البقاء، هؤلاء الذين لا تزيدهم زلازل التغيير إلا رسوخاً، ولا تزيدهم بداياتنا الجديدة إلا قرباً وحباً.