خماش في الجامعة الأردنية .. ودعوة لكسر حدود التخصص
د. اسماعيل ابوعامود
02-04-2026 02:58 PM
في زمنٍ تتسارع فيه التحولات المعرفية والمهنية، لم يعد من الممكن اختزال قيمة الإنسان في شهادةٍ معلّقة على الجدار، أو حصر قدراته ضمن إطار تخصصٍ ضيّق. هذا ما تجلّى بوضوح في المحاضرة التي قدّمها المهندس عمار خماش، والتي جاءت بدعوة كريمة من الأستاذ الدكتور أحمد مجدوبه مدير المجلة الثقافية في الجامعة الاردنية وبرعاية الأستاذ الدكتور نذير عبيدات، رئيس الجامعة، لتكون أكثر من مجرد لقاء أكاديمي؛ بل مساحة لإعادة التفكير في معنى المعرفة والعمل والإبداع.
خماش، الذي صاغ اسمه في عالم التصميم العمراني والحضري، لم يكن مجرد مهندسٍ يعرض أعماله، بل مفكرٌ يقدّم رؤية متكاملة للمعرفة بوصفها كيانًا حيًا، ينمو ويتشكل كما تنمو النباتات من باطن الأرض، متكيّفةً مع محيطها، ومنسجمةً مع بيئتها. هذا التشبيه لم يكن عابرًا، بل كان مفتاحًا لفهم فلسفته القائمة على التداخل بين العلوم، وعلى تجاوز الحدود الصلبة بين التخصصات.
لقد طرح المحاضر جملة من المفاهيم التي تمس جوهر التحديات التي تواجه الأجيال الجديدة، وفي مقدمتها “المعرفة العابرة للعلوم”، التي لم تعد خيارًا بل ضرورة، و”المرونة الذهنية” التي تُمكّن الفرد من التكيّف مع سوق عمل سريع التغير. كما أشار إلى أهمية بناء فرق عمل منتجة قائمة على فهم الفروقات لا إلغائها، وعلى التكامل لا التنافس السلبي، رافضًا التنمر بين التخصصات، وداعيًا إلى معرفة أفقية تُثري الإنسان بدل أن تُقيّده.
ولعلّ أكثر ما يستوقف في هذا الطرح هو نقده الصريح لفكرة أن الشهادة وحدها معيارٌ للكفاءة. فـ”الكرتونة”، لم تعد كافية لقياس الفهم أو الأهلية، خاصة في عالم تتزايد فيه الحاجة إلى المهارات المركّبة، والقدرة على التفكير النقدي، والإبداع العابر للحدود المعرفية.
هذه الرؤية تجد صداها في أفكار عدد من المفكرين عبر التاريخ. فقد أشار ابن خلدون إلى أن “الإنسان ابن عوائده ومألوفه”، في إشارة إلى ضرورة كسر الأنماط الجامدة للتعلم. كما قال ألبرت أينشتاين: “التعليم هو ما يبقى بعد أن ينسى المرء ما تعلمه في المدرسة”، وهو قول يعزز فكرة أن جوهر المعرفة ليس في المعلومات، بل في القدرة على استخدامها.
ومن بين أبرز ما طُرح أيضًا، الدعوة إلى “أنسنة المعرفة”، أي إعادة الاعتبار للبعد الإنساني في العلم والعمل والقرار. فالمعرفة، في نهاية المطاف، ليست هدفًا بحد ذاتها، بل وسيلة لخدمة الإنسان وتحسين جودة حياته.
إن هذه المحاضرة لم تكن مجرد عرض لأفكار نظرية، بل كانت دعوة صريحة لإعادة النظر في دور الجامعات، التي لم تعد مطالبة فقط بتخريج مختصين، بل بإعداد إنسانٍ متكامل: معرفيًا، ومهاريًا، وإنسانيًا، قادر على الاندماج في مجتمعه والمساهمة في تطويره. كما أكدت على أهمية استضافة نماذج ملهمة صنعت التغيير، ليس فقط في مجالاتها، بل في طريقة تفكيرها، لتصبح “مدارس قائمة بذاتها”، وهو توجهٌ يستحق الإشادة والدعم.
في الخلاصة، يمكن القول إن الأفضلية لم تعد تُقاس بعمق التخصص بقدر ما تُقاس بمدى النفع الذي يقدّمه الإنسان للآخرين. فكما قال أرسطو: “غاية العلم ليست المعرفة، بل العمل”، وهي عبارة تختصر جوهر الرسالة التي حملتها هذه المحاضرة.
إنها دعوة مفتوحة للانتقال من ضيق التخصص إلى رحابة المعرفة، ومن صلابة القوالب إلى مرونة الفكر، ومن مركزية الشهادة إلى إنسانية الإنجاز.
شكرا للجامعة الاردنية
الجامعة الاردنية