الضمان في المنسف النيابي .. وحكومة بلا رقابة نيابية
د.مصطفى التل
02-04-2026 06:08 PM
عندما يتحول قانون الضمان الاجتماعي، الذي يمس جيب كل أردني وأردنية، ويمثل ودائع العمر وتقاعد الآباء ومستقبل الأبناء، إلى ملف يُحسم على مائدة عشاء، فإن ذلك ليس مجرد استهتار عابر، بل هو انهيار متكامل لمعنى الدولة والمؤسسات ولدور النواب والحكومة على حد سواء.
يُقام في هذه الأيام وليمة يجمع فيها نائب رئيس الوزراء ووزراء ونوابًا، في مشهد يذكّر بعصور "الجاهات" التي كانت تُرسل لفض النزاعات بين العشائر، وكأن قانون الضمان الاجتماعي مجرد خلاف عائلي يُحل بكأس شاي بعد وجبة من المنسف.
هذا وحده كافٍ لأن نشعر بالغثيان. فما بالنا ونحن ندرك أن هذا القانون يقرر مصير الملايين، ويحدد إن كان الأردني سيعيش كريمًا بعد تقاعده أم سيلجأ إلى الصدقات؟!
أما النواب، أولئك الذين انتخبناهم لنشرّع معًا ونراقب ونحاسب، فأين هم اليوم؟! أليس من المفترض أن يكونوا في قاعات البرلمان يعقدون جلسات استماع علنية مع النقابات والخبراء، يطلبون التقارير الاكتوارية، يناقشون القانون البند تلو بند، يسألون الحكومة بقوة المحاسب الصنديد عن كل قرش في صندوق الضمان؟ !
ماذا حدث للرقابة؟! ماذا حدث للمساءلة؟! كيف تحول النائب الذي يفترض به أن يكون سيفًا مصلتًا على رقاب مَن تسول لهم أنفسهم العبث بأموال الناس، إلى ضيف شرف على وليمة، يبارك فيها تسوية لا يعرف تفاصيلها، ويصوت بعدها وكأنه لم يعهد إليه أغلى أمانة؟! بالله عليكم.. أين دوركم أيها النواب؟! أنتم نواب أمة؟! لا أسأل عن نواب المناسف.
أنتم مَن يُفترض به أن يكون خط الدفاع الأول عن حقوق المؤمّنين، وأن يقف بالمرصاد لأي محاولة لتسويف أو تهريب أو تمرير قوانين تحت الطاولة.
ماذا بقي من دوركم إن كنتم تكتفون بدور المتفرجين أو المشاركين في "توفيق الأجواء" على حساب أموال مَن انتخبوكم؟! أين صوتكم؟ أين أسئلتكم؟ أين جلساتكم النيابية المطولة التي تستضيف الخبراء وتسمع الشكاوى وتناقش التقارير؟! أين لجانكم التي يفترض أن تقرأ القانون كلمة كلمة أمام الملأ؟! هل تحولتم إلى مجرد أرقام في قاعة التصويت، تُستدعون لتناول الطعام ثم تُستدعون لرفع الأيدي، وكأن القانون مجرد قرار إداري لا قيمة له..!!
وأما الحكومة، التي ترعى هذا الأمر وتشارك في هذه الوليمة، فأين مسؤوليتها؟ كيف تسمح لنفسها بأن تتفاهم على مستقبل أموال الناس في جلسة عشاء غير رسمية؟!
الحكومة هي صاحبة المشروع، وهي المكلفة دستوريًا بتقديم رؤيتها أمام مجلس النواب والرأي العام, فإذا كانت هذه الرؤية تُحسم في وليمة، فما معنى أن يكون لدينا حكومة؟! ما معنى أن يكون لدينا وزراء يتحدثون عن الشفافية والحوكمة؟!
نحن نتحدث عن مؤسسة الضمان الاجتماعي، التي تدير ودائع مالية تقدر بمليارات الدنانير ، وهي ليست ملكًا للحكومة ولا للنواب، بل هي ملك لكل أردني اقتطع جزءًا من راتبه طوال سنوات عمره ليضمن غده.
حين تشاركون في هذا المسلسل سيء الإخراج ، فإنكم تقولون للمواطن صراحة: "أموالك التي سهرت الليالي من أجلها، واقتطعناها من راتبك تحت وعد الضمان، هي اليوم محل نقاش على مائدة عشاء، ويمكن أن نتصرف بها كما نشاء".
أليس من واجب الحكومة أن تخرج إلى العلن، تعرض الأرقام، تشرح التعديلات، ترد على المخاوف، بدلًا من أن تختزل كل ذلك في لقاء مغلق؟!
هل تظنون أن المواطن يمكن استغفاله واستغباءه ؟! , هل تعتقدون أن الناس لا تعلم أن هذه التسويات التي تتم تحت سقف واحد، بعيدًا عن الكاميرات وعن النقابات وعن الخبراء، هي بمثابة صفقة لا أكثر؟! هذا ليس حوارًا وطنيًا، هذه استهانة بعقول الناس واستهتار بمشاعرهم وحقوقهم.
نحن لا نريد مناسف لحسم خلافاتنا الوطنية, نريد برلمانًا يعمل تحت القبة، لا في الاستراحات , نريد حكومة تتحمل مسؤوليتها أمام الرأي العام، لا خلف الأبواب المغلقة , نريد نقاشًا شفافًا أمام الملأ، نريد جلسات استماع حقيقية للنقابات والخبراء ومنظمات المجتمع المدني , نريد أن نعرف لماذا هذه التعديلات؟! ومن المستفيد؟! ولماذا الإقرار في النصف الأول من نيسان بهذه السرعة؟! ماذا يخفون؟! ماذا يريدون تمريره قبل أن ينتبه الناس؟!
لقد سئم الأردنيون من لغة "توفيق الأجواء" التي تعني دائمًا أن الشعب هو الخاسر الأكبر, سئمنا من أن تُحسم قضايانا المصيرية في مطابخ السياسة، على أنغام المجاملات، وتحت سقف الضيافة.
هذا وطن، وهذا شعب دفع الثمن غاليًا، ولن يقبل بعد اليوم أن تكون أمواله ومعيشته موضوعًا للمساومات والمناسف.
وإن كان لا بد من عشاء، فليكن عشاء الحرمان الذي تعانيه الأسر الأردنية من تقاعد عادل وضمان اجتماعي حقيقي.
فلتتذوقوا أيها النواب والحكومة طعم الخوف ولو مرة واحدة على المستقبل الذي يعيشه ملايين الأردنيين كل يوم, ولتتذكروا أنكم ستحاسبون، ليس في البرلمان فقط، بل في التاريخ وأمام شعب لن ينسى " المجاملات " و " التوفيق " على منسف .
تنبهوا، فما تبقى من هيبة الدولة والمؤسسات والنواب والحكومة على المحك. والمحك الحقيقي ليس في قاعة التصويت، بل في قلوب الأردنيين الذين يقرؤون الخبر اليوم فيصيبهم الغثيان، وهم يرون مستقبلهم يُحسم على وليمة