حين يتحوّل الحلم الأبيض إلى عبءٍ أسود: ماذا يحدث لطلبة الطب والاطباء المقيمين؟
موفق جباعتة
03-04-2026 01:25 PM
لم تكد تمرّ أسابيع على فاجعة انتحار طالبة الطب في مستشفى الجامعة الأردنية، حتى استفاق المجتمع على صدمة جديدة: طبيب مقيم في سنته الرابعة يسير في الطريق ذاته، لكنه هذه المرة لم يفارق الحياة، بل يرقد في حالة صحية سيئة، يصارع ما تبقّى من قواه.
حادثتان متقاربتان في الزمن، متشابهتان في الألم، وتطرحان سؤالًا لا يجوز تأجيله: ما الذي يحدث داخل هذا العالم الذي يفترض أنه يصنع الحياة، لا أن يختنق بها؟
لطالما ارتبطت دراسة الطب وما يليها من مسار مهني بالفخر والمكانة والإنجاز. هو الحلم الذي تسعى إليه العائلات، ويُدفع إليه الطلبة بدافع الطموح أو التوقعات أو حتى الضغوط. لكن الحقيقة التي لا تُقال كثيرًا، أن الطريق لا ينتهي عند التخرج، بل يبدأ بشكلٍ أكثر قسوة في مرحلة الإقامة؛ حيث ساعات العمل الطويلة، المناوبات المرهقة، الضغط النفسي المستمر، والمسؤوليات الثقيلة التي تُلقى على عاتق الطبيب الشاب في وقتٍ مبكر.
السؤال الأكثر إلحاحًا اليوم: لماذا طلبة الطب والأطباء المقيمون تحديدًا؟ هل هي طبيعة التخصص؟ أم ثقافة مجتمعية تُحمّلهم ما لا يُحتمل؟ أم غياب حقيقي لمنظومات الدعم النفسي داخل الجامعات والمستشفيات؟ ربما هي كل ذلك معًا. لكن المؤكد أن تكرار هذه الحوادث ليس صدفة، بل مؤشر خطر يتطلب وقفة جادة.
الأخطر من ذلك، أن تمرّ هذه الفواجع كخبرٍ عابر في نشرات الأخبار أو منشور سريع على وسائل التواصل، ثم تُنسى. لا يجوز أن تصبح الأرواح مجرد أرقام، ولا أن يتحول الألم إلى مادة استهلاكية. هذه قصص حقيقية، لشباب كانوا يخططون لإنقاذ الآخرين، لكنهم لم يجدوا من ينقذهم.
إن ما يحدث اليوم يستدعي تحركًا عاجلًا، لا على مستوى التعاطف فقط، بل على مستوى الفعل. نحتاج إلى بيئة عمل وتعليم أكثر إنسانية، إلى مساحات آمنة للحديث، إلى دعم نفسي حقيقي لا شكلي، وإلى إعادة النظر في ثقافة “التحمّل بصمت” التي نُشجّع عليها دون أن ندرك ثمنها.
في النهاية، المسألة لم تعد قضية طلبة طب فقط، بل امتدت لتشمل الأطباء أنفسهم. فحين يبدأ الحلم بالانكسار في أكثر المهن إنسانية، علينا أن نسأل أنفسنا بصدق: أين الخلل؟ وهل سننتظر فاجعة أخرى لنُعيد طرح السؤال من جديد؟