في كل مرة تُعلن فيها الأخبار عن اعتراض صاروخ أو سقوط بقايا مسيّرة في مكان ما دخل الممكلة، يحدث مشهد بات مألوفا بشكل لافت. خلال دقائق يتجمع الناس حول الموقع، تخرج الموبايلات من الجيوب، تبدأ الكاميرات بالتصوير وتتحول الحادثة إلى ما يشبه بثا مباشرا مفتوحا للجمهور.
المشهد أحيانا يبدو وكأنه حدث سياحي طارئ: بعضهم يقترب ليلتقط صورة أقرب، وآخر يطلب من صديقه أن يقف بجانب الحطام لالتقاط "صورة تذكارية"، بينما يبدأ آخرون بإرسال الفيديوهات إلى مجموعات العائلة والأصدقاء مرفقة بعبارات مثل " شوفوا وين وقع".
ربما يمكن تفسير ذلك بالفضول. فالأردنيون، لحس الحظ لم يعتادوا على رؤية الصورايخ تسقط قرب بيوتهم. لكن المثير في الأمر أن الفضول لدينا يبدو أقوى من الحذر أحيانا. فنحن لا نكتفي بمشاهد الحطام من بعيد بل نقترب منه بثقة لافته، وكأننا نعوّل بشكل غير معلن على وعي الصاروخ نفسه.. وأنه قرر مسبقا ألا ينفجر احتراما لفضولنا.
الأمر لا يتوقف عند مواقع السقوط، فعندما يسمع البعض صفارات الإنذار أو يسمع عن صواريخ في السماء، لا تكون ردة الفعل دائما الاحتماء أو البقاء في الداخل، بل الخروج إلى الشرفات أو أسطح المنازل لمشاهدة "العرض الجوي". صاروخ هنا ومسيّرة هناك، والسماء تتحول فجأة إلى شاشة عرض مفتوحة.
قد يبدو المشهد طريفا للوهلة الأولى، لكنه في الحقيقة يكشف مفارقة واضحة: نحن نتعامل مع حدث خطير وكأنه مشهد عابر يستحق المشاهدة والتوثيق أكثر مما يستحق الحذر.
في دول كثيرة مرت بظروف مشابهة، أول ما يفعله الناس عند سقوط جسم مجهول هو الابتعاد عنه فورا والالتزام بالتعليمات الوقائية وترك المجال للجهات المختصة للتعامل معه، أما عندنا فيبدو أن الخطوة الأولى هي التجمهر والتقاط الموبايل، والخطوة الثانية يقترب منه ويفكر كيف يبعه "حديد" لربما!
وإلى جانب الجهود المميزة والتعليمات المستمرة من الجهات المعنية، يبقى من المهم تعزيز الحزم تجاه من يقترب من أي جسم خطر بما يضمن حماية الجميع ومنع تعريض الأرواح للخطر، وفرض مسافة أمان حقيقية تمنع التجمهر حول أي جسم مجهول.
أما صفارات الإنذار فهي ليست صوتا عابرا في الخلفية، ولا مجرد تنبيه يمكن تجاهله أو التعامل معه بخفة. صفارات الإنذار تعني ببساطة أن هناك خطرا محتملا وأن المطلوب هو الاحتماء فورا، لا الخروج لمشاهدة السماء أو التعرف على الصاروخ عن قرب.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى يفهم بعض المواطنين أن الأمر خطير؟ هل يجب أن تقع حادثة مؤلمة لا سمح الله حتى يتغير السلوك؟ أم أن الوعي يمكن أن يسبق التجربة؟
الفضول مفهوم، ربما طبيعي لكن التعامل مع الصواريخ والمسيّرات وكأنها مشهد مثير للتصوير ليس سلوكا يمكن اعتباره عاديا. فبقايا الصواريخ قد تحتوي على مواد خطرة أو أجزاء غير منفجرة، صفارات الإنذار ليست دعوة للخروج إلى الشرفات.