facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




أرتيمس 2 وأبعادها السياسية الدولية من المشاع الكوني إلى الهيمنة الجيوسياسية


زيد الدهامشة
03-04-2026 05:38 PM

ملخص: تُعدّ مهمة أرتيمس 2 التي انطلقت في الأول من أبريل 2026 حدثاً فضائياً يتجاوز في أبعاده الحقيقية نطاق العلم والاستكشاف، لتغدو فصلاً جديداً في صياغة النظام الدولي وإعادة توزيع مواطن القوة في القرن الحادي والعشرين. يتناول هذا المقال الأبعاد السياسية لهذه المهمة من خلال ثلاثة محاور رئيسة: الإشكاليات القانونية المتعلقة بالسيادة الفضائية وميراث معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967، والمنطق الواقعي الهيكلي الذي يحكم السلوك الأمريكي في الفضاء، والدبلوماسية التكنولوجية بوصفها آليةً للهيمنة المؤسسية. تنطلق الورقة من الإطار النظري الواقعي الهيكلي عند كينيث والتز مرجعاً أساسياً، ومفهوم القوة الناعمة عند جوزيف ناي مرجعاً مكملاً. خلاصة المقال أن أرتيمس 2 تُجسّد تحولاً بنيوياً في مفهوم الفضاء من مشاع إنساني مشترك إلى ساحة نفوذ استراتيجي.

في الثالث من أبريل 2023، أعلنت وكالة ناسا الأمريكية عن الطاقم البشري لمهمة أرتيمس 2، المؤلَّف من أربعة رواد فضاء هم: قائد البعثة ريد وايزمان، والطيار فيكتور غلوفر، وأخصائية المهمة كريستينا كوك —جميعهم من ناسا— إضافةً إلى أخصائي المهمة جيريمي هانسن ممثلاً لوكالة الفضاء الكندية.1 ثم انطلقت المهمة فعلياً في الأول من أبريل 2026 من مركز كينيدي للفضاء، لتُمثّل أول رحلة مأهولة إلى ما وراء المدار الأرضي المنخفض منذ مهمة أبولو17 في ديسمبر 1972.

وبينما يُقدَّم هذا الحدث في الخطاب العام على أنه إنجاز علمي وإنساني بامتياز، يكشف التحليل الأكاديمي أن هذه المهمة تنطوي على أبعاد سياسية بالغة العمق، تتشابك فيها مصالح القوى الكبرى وتتنازع حولها رؤى متباينة لمستقبل الحوكمة في الفضاء الخارجي، فالمهمة لا تُمثّل استمراراً للروح التعاونية التي أطّرت عصر الفضاء الأول، بل تعكس منطقاً تنافسياً صريحاً يُعيد رسم خريطة النفوذ الدولي بأدوات تقنية وقانونية ومؤسسية.

تنطلق هذه الورقة من إطار نظري مزدوج: الواقعية الهيكلية عند كينيث والتز2 بوصفها المرجع التفسيري الأساسي لسلوك الدول في الفضاء، ومفهوم القوة الناعمة عند جوزيف ناي3 مرجعاً مكملاً لفهم البُعد الدبلوماسي والمؤسسي للمهمة، ويسعى المقال إلى الإجابة عن سؤال محوري: كيف تُجسّد مهمة أرتيمس 2 انتقالاً من نموذج "المشاع الكوني" إلى نموذج "الهيمنة الجيوسياسية" في إدارة الفضاء الخارجي؟


الإطار القانوني: معاهدة 1967 وأزمة التأويل
تُشكّل معاهدة الفضاء الخارجي لعام 1967 الركيزةَ التأسيسية للقانون الدولي الفضائي؛ إذ نصّت في مادتها الثانية على أن الفضاء الخارجي والقمر والأجرام السماوية لا تخضع للتملك الوطني بأي صورة كانت. وقد أرسى هذا النص مبدأ "الميراث المشترك للبشرية" الذي حكم الخطاب الدولي قرابة نصف قرن.4
بيد أن واشنطن شرعت منذ عام 2015 في بناء منظومة قانونية موازية؛ إذ أجاز قانون إطلاق التنافسية التجارية الفضائية الأمريكي صراحةً لمواطنيها لاستخراج موارد الفضاء والتملك الخاص لما يُستخرج، مع نفي التملك الرسمي للأجرام السماوية ذاتها.5 وجاءت اتفاقيات أرتيمس الثنائية —التي بلغ عدد الدول الموقِّعة عليها ما يزيد .على خمسة وأربعين دولة بحلول مطلع 2025— لتُكرّس هذه المقاربة مؤسسياً

يتجلى أثر ذلك في آليتين متشابكتين: أولاهما مفهوم "مناطق السلامة" التي تُتيح للدولة المنفِّذة استبعادَ الأطراف الأخرى من نطاق جغرافي معين حول عملياتها، مما يُفضي إلى سيادة مؤقتة فعلية على قطاع من الجسم السماوي وإن نُفيت قانونياً.6 وثانيتهما ترسيخ المعايير التقنية والتشغيلية الأمريكية بوصفها المرجعية الدولية الافتراضية مما يُحوّل هذه المعايير إلى قانون فعلي يتشكّل وفقه سلوك الدول والفاعلين الخاصين.

يرى الفقه الدولي الناقد، ومنه مقاربة فابيو ترونكيتي وموقف لجنة الأمم المتحدة لاستخدام الفضاء الخارجي في الأغراض السلمية (كوبوس)، أن اتفاقيات أرتيمس لا تُكمل معاهدة 1967 بقدر ما تُعيد تأويلها وتُضيِّق من نطاقها بصورة غير مباشرة، مما يُنشئ ثغرةً قانونية خطيرة قد تُفضي إلى نزاعات تفسيرية حادة في المستقبل القريب.
التحليل الجيوسياسي: التموضع الاستراتيجي في الفضاء

تقدّم الواقعية الهيكلية مفتاحاً تفسيرياً نافعاً لفهم الدوافع الحقيقية وراء مهمة أرتيمس 2؛ إذ تسعى الدول في ظل حالة الفوضى الدولية إلى تعظيم قوتها النسبية وضمان بقائها في النسق الهيكلي. وتتجلى هذه الغاية عبر ثلاثة مستويات استراتيجية متداخلة:

أولاً، الأمن الفضائي والسيطرة على الفضاء الحول-قمري: باتت القدرة على المناورة في منطقة الفضاء الحول-قمري شرطاً ضرورياً للتفوق الاستراتيجي المستقبلي.،إن الهيمنة على نقاط الاختناق في هذه المنطقة تُتيح مراقبةَ تحركات الخصوم وتعطيلها عند الضرورة، وهو ما يُحدده بلدوين إيفان في دراسته للقدرة الفضائية الهجومية7 بوصفه "النقطة الاستراتيجية العليا" في أي صراع مستقبلي. وتأتي أرتيمس 2 لترسيخ الحضور الأمريكي في هذه المنطقة قبل اكتمال البرنامج القمري الصيني-الروسي المشترك.
ثانياً، الأسبقية التكنولوجية ومنطق الاستقرار الهيمني: تُقرّر نظرية الاستقرار الهيمني أن الدولة المهيمنة تستمد شرعيتها جزئياً من تفوقها التقني. وتُعيد أرتيمس 2 إنتاج الخطاب الأمريكي للحقبة الاستطلاعية الأولى القائم على أن التقدم التكنولوجي الأمريكي خيرٌ عام للبشرية، غير أنه يُرافق هذه المرة استراتيجيةً واضحة لاستدامة الهيمنة لا مجرد السبق العلمي.

ثالثاً، الأيديولوجيا والتنافس بين نموذجَي الحوكمة: حرصت واشنطن على تقديم برنامج أرتيمس في مقابل البرنامج الصيني-الروسي المشترك بوصفه نموذجَين متعارضَين: الأول قائم على الشفافية النسبية والتعددية في الشراكة، والثاني على سرية الدولة والانغلاق. غير أن هذا التأطير يستوجب تحفظاً أكاديمياً؛ إذ إن التنافس الصيني-الروسي ذاته في الفضاء يكشف عن توترات مصالح حقيقية تُعقّد صورة "الكتلة المتجانسة".

الدبلوماسية التكنولوجية والهيمنة المؤسسية
يُعدّ مفهوم "الاعتماد المتبادل المُقيِّد" أداةً تحليلية ذات قيمة عالية في فهم البنية المؤسسية لبرنامج أرتيمس. فمن خلال إدماج الوكالات الفضائية الأوروبية (إيسا)، واليابانية (جاكسا)، والكندية في الهيكل التشغيلي للمهمة، تُرسي ناسا علاقة اعتماد تقني وسياسي تجعل انفصال هذه الشركاء عن المنظومة الأمريكية مُكلفاً بصورة غير متناسبة وتقيّد هامش مناورتهم في المحافل الدولية.

يستدعي ذلك تمييز ناي بين القوة الصلبة والقوة الناعمة؛3 فبرنامج أرتيمس يُمثّل توليفاً غير مسبوق بينهما، العروض التكنولوجية الرائعة تُنتج قوةً ناعمة، في حين تُنتج التبعية الهيكلية لمنظومة المعايير والبنى التحتية الأمريكية قوةً صلبة مقنّعة تفرض نفسها بصورة تدريجية. والمحصلة أن الولايات المتحدة تتحول من "دولة مستكشِفة" إلى "مركز نظام إيكولوجي دولي" تُحدِّد معاييره التقنية والقانونية.

كذلك يُسهم انخراط شركات تجارية أمريكية كبرى كسبيس إكس وبلو أوريجن في المنظومة في إضفاء طابع "غير حكومي" على ما هو في جوهره امتداد للاستراتيجية الأمريكية، مما يُعقّد محاولات المقاومة أو الاعتراض من قِبَل الدول الأخرى أو المنظومة الأممية.

إشكالية الشرعية الدولية وموقف دول الجنوب
تتصدر قضية الشرعية الدولية أولويات النقاش الأكاديمي في هذا الملف؛ إذ تظل دول الجنوب الكوني خارج دائرة صناعة القرار في اتفاقيات أرتيمس على الرغم من كونها أطرافاً في معاهدة 1967. وتنقسم مواقفها بين اتجاهَين، دول تُؤثر الانضمام انتهازاً لفرص التعاون التقني، وأخرى تُعرب عن قلقها إزاء إضفاء الطابع المؤسسي على الهيمنة الأمريكية في منتدى يُفترض أنه أممي.

وقد برز هذا التوتر بجلاء في لجنة كوبوس وفي مباحثات مجلس الأمن المتعلقة بالفضاء، حيث تتصادم الرؤيتان في غياب آليات تسوية فعّالة. ويُضيف ذلك بُعداً أخلاقياً جوهرياً إلى الجدل القانوني والجيوسياسي: فمن الذي يحق له تحديد قواعد الاستفادة من الفضاء الذي تُعلن معاهدة 1967 أنه ميراث مشترك للبشرية جمعاء؟

إن الاستمرار في غياب إطار حوكمة فضائية شامل وتشاركي يُرجَّح أن يُكرّس ظاهرة "تكتل الفضاء" أي انقسامه إلى كتلتين متوازيتين ومتنافستين، مما يُهدد باستدامة التنافس على حساب الاستقرار الدولي وعلى حساب الدول الأقل قدرةً التي ستجد نفسها تابعةً لأحد القطبين لا شريكةً في صياغة القواعد.

خاتمة
تُجسّد مهمة أرتيمس 2 نقطة تحوّل بنيوية في تطور العلاقات الدولية؛ إذ تُعبّر عن انتقال من نموذج الاستكشاف التعاوني القائم على مبدأ الفضاء باعتباره مشاعاً كونياً، إلى نموذج المنافسة الاستراتيجية الذي يُعيد تعريف الفضاء بوصفه امتداداً طبيعياً لمنطق توازن القوى. وقد خلص التحليل المُقدَّم إلى ثلاثة استنتاجات رئيسة:
أولاً: تعمل الولايات المتحدة على بناء منظومة قانونية وتقنية ومؤسسية موازية تُفضي عملياً إلى إعادة تعريف مبدأ "الميراث المشترك للبشرية" من مبدأ تشاركي إلى مبدأ وصائي تُديره القوى القادرة تقنياً.

ثانياً: الدبلوماسية التكنولوجية في برنامج أرتيمس ليست مجرد قوة ناعمة، بل تتضمن آليات إكراه بنيوي هادئ يُقيّد خيارات الشركاء ويُحوّلهم من فاعلين مستقلين إلى تابعين مؤسسيين.

ثالثاً: غياب إصلاح شامل لمنظومة حوكمة الفضاء الدولية حيثيُشرك دول الجنوب الكوني وتحدث معاهدة 1967 في ضوء التطورات التقنية سيُعمّق التفاوتات القائمة ويزيد احتمالية نشوء صراعات فضائية بالغة الخطورة في العقود القادمة.

وعليه، فإن الجدل الأكاديمي حول أرتيمس 2 لا ينبغي أن يقتصر على التساؤل عمّا إذا كانت هذه المهمة تنتهك حرفية القانون الدولي القائم، بل يجب أن يمتد إلى سؤال أعمق: هل الإطار المفاهيمي للقانون الدولي الفضائي برمّته لا يزال قادراً على استيعاب واقع التنافس الجيوسياسي الراهن، أم أننا في حاجة ماسة إلى عقد اجتماعي كوني جديد يُعيد تأسيس قواعد الاشتراك الإنساني في الفضاء على مبادئ أكثر عدلاً وديمومة؟





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :