حين تعود الروح إلى أصدقائها
أ.د. أمجد الفاهوم
04-04-2026 12:22 AM
تبدأ الحكاية من تلك اللحظات الصغيرة التي لا ننتبه لها ونحن نعيشها، لكنها حين تمضي تصبح أثمن ما نملك. تكبر الأعمار وتتشعب الطرق، لكن تبقى الصداقة الأولى كجذرٍ عميق في القلب، لا تقتلعها المسافات ولا يبهتها الزمن. هي ليست مجرد علاقة عابرة، بل ذاكرة مشتركة تنبض بالضحك القديم، والبراءة التي لم تلوثها تعقيدات الحياة.
تتشكل العلاقات الإنسانية في الطفولة ببساطة نادرة، حيث لا حسابات ولا مصالح، بل انجذاب فطري نحو من يشبهنا في اللعب والدهشة. يكبر الإنسان، وتكبر معه مسؤولياته، فتتبدل طبيعة العلاقات وتصبح أكثر انتقائية وارتباطًا بالعمل والواقع. وفي خضم هذا التحول، يفقد الكثيرون ذلك النقاء الأول، وتغيب اللقاءات التي كانت تصنع الفرح بل
ا تكلف.
تفرض الحياة إيقاعها السريع، فننشغل، ونؤجل، ونظن أن الوقت متاح دائمًا، حتى نفاجأ بأن السنوات مرت دون أن نجلس مع أولئك الذين كانوا يومًا عالمنا كله. هنا تظهر الحاجة إلى متنفس إنساني يعيد ترتيب الداخل، ويمنح الروح فرصة للعودة إلى ذاتها الأولى. ليس ترفًا أن نلتقي بأصدقاء الطفولة، بل ضرورة نفسية ووجدانية تعيد التوازن لما أثقلته الأيام.
تُدرك مجتمعات كثيرة هذه الحقيقة، فتسعى إلى تحويل الصداقة إلى ممارسة مستدامة. في اليابان مثلًا، تنتشر ثقافة اللقاءات الدورية لزملاء الدراسة، حيث يُخصص يوم سنوي ثابت يجتمع فيه الأصدقاء مهما تباعدت بهم المدن. وفي الدول الإسكندنافية، تُبنى الحياة الاجتماعية على مجموعات صغيرة ثابتة من الأصدقاء يلتقون بانتظام، يتشاركون الطعام والحديث والذكريات،
فيخلقون شبكة دعم إنساني حقيقية تقلل من الشعور بالعزلة.
يمكننا أن نستلهم من هذه التجارب نماذج بسيطة لكنها عميقة الأثر. يمكن أن يبدأ الأمر بفكرة “موعد ثابت لا يُؤجل”، يوم في الشهر أو كل فصل، يجتمع فيه الأصدقاء في مكان يحمل ذكرى مشتركة، أو حتى في فضاء جديد يصنع ذكريات قادمة. يمكن تصميم برنامج لقاء يتجاوز المجاملات السطحية، ليشمل استرجاع اللحظات الجميلة، مشاركة ما مر به كل فرد من تجارب، والإنصات الحقيقي دون أحكام.
يمكن أيضًا إدخال عناصر إبداعية تعزز الأواصر، كأن يحمل كل لقاء فكرة محددة؛ مرة بعنوان “أجمل ذكرى”، وأخرى بعنوان “ما الذي تعلمته الحياة”، أو حتى “رسالة إلى ذاتي القديمة”. يمكن توثيق هذه اللقاءات بصور أو مقاطع قصيرة تُجمع في أرشيف مشترك، ليبقى شاهدًا حيًا على استمرار العلاقة. ويمكن أن يتطور الأمر إلى مبادرات أعمق، كتنظيم عمل تطوعي جماعي، أو رحلة سنوية تعيد للأرواح خفتها الأولى.
الأجمل أن هذه اللقاءات لا تعيد فقط
بناء الصداقة، بل تعيد بناء الإنسان ذاته. حين يجلس المرء مع من عرفوه قبل أن تثقله الألقاب والمسميات، يشعر بأنه يعود إلى حقيقته، إلى ذلك الشخص الذي كان يضحك دون سبب، ويحلم دون سقف. في تلك اللحظات، تسقط الأقنعة، ويصبح الحديث أكثر صدقًا، والمشاعر أكثر دفئًا.
وهنا، تبرز تجربة شخصية تختصر كل المعنى. في حي البارحة في إربد، حيث جمعتنا الحارة والمدرسة في طفولتنا، ما زلنا حتى اليوم نحمل تلك الروح ذاتها. نلتقي بشكل دوري، يكاد يكون شهريًا، مرة في بيت أحدنا، ومرة في مزرعته، وأحيانًا في مطعم أو متنزه، لكن المكان ليس هو ما يصنع اللقاء، بل ما نحمله إليه من صدق واشتياق. في تلك الجلسات، نشعر أننا لم نغادر البدايات، وأن الحياة رغم ما أثقلتنا به، لا تزال تمنحنا القدرة على الفرح والبساطة. نضحك كما كنا، نستعيد الحكايات، ونكتشف أن ما بيننا لم يكن مجرد مرحلة عابرة، بل هو امتداد حيّ لمعنى الحياة ذاته.
تُعيد هذه الروابط إحياء معنى الأخوة الإنسانية، ذلك المعنى الذي لا يقوم على الدم فقط، بل على المشاركة والوفاء والذاكرة المشتركة. فالصديق القديم ليس مجرد شخص من الماضي، بل جزء من تكويننا، من قصتنا التي لا تكتمل بدونه.
يحتاج الإنسان، مهما بلغ من نجاح أو انشغال، إلى مساحة يشعر فيها بأنه مفهوم دون شرح، ومقبول دون شروط. وأصدقاء الطفولة هم غالبًا الأقرب إلى منح هذا الشعور. لذلك، فإن تخصيص وقت لهم ليس مجرد وفاء للماضي، بل استثمار في الحاضر، وحماية للنفس من جفاف العلاقات السريعة.
تمضي الحياة، وتتغير الوجوه والأماكن، لكن تبقى بعض العلاقات قادرة على مقاومة النسيان. تلك التي بدأت ببساطة، ونمت بصدق، وتستحق أن تُروى من جديد كل حين. ربما لا نملك القدرة على إيقاف الزمن، لكننا نملك القدرة على أن نجعل لحظاته أكثر دفئًا، حين نختار أن نلتقي، أن نتذكر، وأن نبقى معًا رغم كل شيء.