في البداية.. بدا المشهد كحكاية قديمة تُروى بشغف.. شيطان أكبر.. وعدوٌ صهيوني مجرم يجب كسره.. وشعوب يجب تحريرها.. وصوت عالٍ يَعِد بالكرامة.. فصفق كثيرون.. لا لأنهم اقتنعوا تماماً.. بل لأنهم تعبوا من الهزائم.. فتمسّكوا بأي يد تلوّح في وجه العدو.. حتى لو لم يعرفوا إلى أين تقودهم تلك اليد.. فعدو عدوي.. عدوي.. وانطلت عليهم الفكرة..
وما هي إلا سنوات قليلة.. دخلت إلى الجغرافيا العربية.. لا كضيف عابر.. بل كصاحب مشروع ثقيل الظل.. العراق.. سوريا.. لبنان.. اليمن.. وكل مرة كان يقال إن الطريق إلى القدس يمر من هنا.. بينما كانت الطرق الحقيقية تُغلق.. والمدن تُستنزف.. والهويات تُعاد صياغتها على مقاس لا يشبه أهلها..
ومع ذلك.. بقي هناك من يُبرر.. من يُراوغ.. من يُلبس كل صاروخ ومسيّرة ثوب البطولة.. حتى لو سقط في خاصرة بلدٍ عربي..
كانوا يقولون إنها القواعد الأمريكية.. وكأن القواعد تُبنى بين البيوت.. أو تُخفى داخل محطات الكهرباء والمياه.. وكأن الخراب حين يصل.. يستطيع أن يفرّق بين هدف عسكري ومدينة كاملة..
لكن.. شكراً لكِ إيران الفارسية.. لأنكِ هذه المرة.. لم تتركي لهم مساحةً للكذب.. لم تتركي لهم فرصةً لتجميل الصورة.. حين أصبح الاستهداف واضحاً كالشمس..
محطات طاقة.. مصافي.. مياه.. جسور.. شرايين حياةٍ لا علاقة لها بحربكِ المعلنة.. ولا بعدوكِ الذي تتغنين بمقاتلته.. بل لها علاقة مباشرة بحياة الناس الذين تزعمين أنكِ تدافعين عنهم..
شكراً إيران الفارسية.. لأنكِ وضعتِهم أمام أنفسهم.. أولئك الذين أقنعوا أنفسهم.. ويسعون لإقناع غيرهم بأنكِ حليفة.. بأنكِ لا تخطئين.. بأنك الرافعة للحق والإسلام الحنيف.. وبأن كل ما تفعلينه هو مقاومة.. ونصرة للحق.. وفقاً لتعاليم الإسلام الحنيف..
فإذا بهم اليوم أمام معادلةٍ لا تُحل.. كيف يُدافعون عن من يضرب بيوتهم؟!.. كيف يُبررون لمن يستهدف ماءهم وكهرباءهم وطرقهم؟!..
إيران الفارسية.. لقد فعلتِ ما لم تستطع سنوات الخطاب أن تفعله.. كشفتِ الحقيقة بلا رتوش.. أن معركتكِ ليست حيث تقولين.. وأن غضبكِ ليس موجهاً لمن تعلنين.. وأن البوصلة التي خدعتِ بها كثيرين.. لم تكن يوماً تشير إلى القدس.. بل كانت تدور حيث تدور مصالحكِ فقط.. فبعد خراب العراق وسوريا واليمن ولبنان.. تحولتِ نحو بلاد الخليج العربي والأردن.. ولكن بعون الله ستكون عصية عليك.. وعلى من يوالوك..
لهذا.. نعم.. شكراً إيران الفارسية.. لأنكِ أخيراً قلتِ الحقيقة.. ولكن بصواريخكِ وتهديدكِ هذه المرة.. لا بخطاباتكِ الثوروية والمدغدغة لعواطف البسطاء.. والتي تُلبسيها عمامة.. وتضعي لها لحية..
حمى الله الأردن ملكاً.. وشعباً.. وأرضاً.. وبلاد العرب جميعا..