بين الرؤية والتمكين .. الأمير الحسين يقود الشباب من الجامعات إلى الريادة
أ.د. أحمد منصور الخصاونة
04-04-2026 03:32 PM
في زمنٍ تتسارع فيه التحديات وتتبدّل فيه ملامح المستقبل، يبرز دور القيادة الواعية بوصفه البوصلة التي تهدي طاقات الشباب نحو البناء والإنجاز، لا سيما في مجتمعات تسعى إلى ترسيخ مكانتها في عالم يقوم على المعرفة والابتكار. ومن هنا، يأتي حضور الأمير الحسين بن عبدالله الثاني كصوتٍ قريب من الشباب، لا يكتفي بالإنصات، بل يصنع معهم الطريق، ويشاركهم الطموح، ويمنحهم الثقة التي يحتاجونها للانطلاق.
لقد تجاوز دور سمو ولي العهد حدود الرعاية التقليدية إلى شراكة حقيقية مع الشباب؛ شراكة تقوم على الإيمان بقدراتهم، والرهان على أفكارهم، والتفاعل المباشر مع تطلعاتهم. فهو لا يتعامل مع الشباب بوصفهم فئة تحتاج إلى التوجيه فقط، بل بوصفهم شركاء في صناعة المستقبل. ومن خلال حضوره في الفعاليات الشبابية، وزياراته الميدانية، ودعمه للمبادرات الريادية، يرسّخ سموه نموذجاً قيادياً حديثاً يقوم على القرب والتفاعل والتأثير.
وفي هذا السياق، جاءت زيارة سموه إلى الجامعة الألمانية الأردنية لتجسد هذا النهج على أرض الواقع، حيث التقى بطلبة الجامعة واستمع إلى تطلعاتهم، واطّلع على نماذج من مشاريعهم وبرامجهم التطبيقية. وقد عكست هذه الزيارة اهتماماً واضحاً بالتعليم التطبيقي الذي يربط المعرفة النظرية بالخبرة العملية، ويؤهل الشباب للانخراط الفاعل في سوق العمل. كما حملت الزيارة رسالة مباشرة مفادها أن المؤسسات الأكاديمية ليست بمعزل عن مسار التنمية، بل هي في صميمه، وأن الطالب هو محور هذه العملية وأداتها.
ومن خلال المبادرات والبرامج التي أُطلقت تحت مظلته، تحوّل الحلم لدى كثير من الشباب إلى مشروع، والطموح إلى إنجاز ملموس. ولم تعد هذه الجهود مجرد نشاطات عابرة، بل أصبحت منظومة متكاملة تهدف إلى تمكين الشباب اقتصادياً وفكرياً، وتعزيز روح المبادرة لديهم، وإشراكهم في صياغة القرار الوطني. فالشباب، في رؤية سموه، ليسوا مجرد مستفيدين من التنمية، بل هم صانعوها ومحركوها.
وفي مواقفه الأخيرة، أكد سموه أن دعم الشباب لا يكتمل إلا بتهيئة بيئة حاضنة للابتكار، تقوم على تشريعات مرنة، وبنية رقمية متطورة، وأنظمة تعليمية حديثة تواكب متطلبات العصر. هذه البيئة هي التي تفتح المجال أمام المشاريع الريادية للنمو والتوسع، وتمنح الشباب القدرة على تحويل أفكارهم إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية. وهنا تتجلى الرؤية الاستراتيجية التي ترى في الشباب قوة إنتاج لا عبئاً، وفي أفكارهم فرصة لا مخاطرة، وفي طموحهم استثماراً وطنياً بعيد المدى.
ولا يمكن الحديث عن هذه الرؤية دون التوقف عند دور المؤسسات الرسمية في ترجمتها إلى واقع عملي، حيث يبرز دور معالي عزمي محافظة بوصفه أحد الأعمدة التنفيذية التي تعمل على تحويل التوجيهات الملكية والرؤى القيادية إلى سياسات وبرامج ملموسة. فوزارة التعليم العالي والبحث العلمي تمثل حلقة الوصل بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، وتسهم بشكل مباشر في إعداد جيل قادر على المنافسة محلياً وعالمياً.
ومن خلال الوزارة، يتم احتضان المبادرات الشبابية، وتوفير البيئة الحاضنة لها، سواء عبر تطوير التشريعات الناظمة، أو دعم البحث العلمي، أو تعزيز الشراكات مع الجامعات والمؤسسات الدولية. كما يتم العمل على تحديث البرامج الأكاديمية لتواكب التطورات التكنولوجية، وبناء المهارات العملية لدى الطلبة، بما يعزز فرصهم في سوق العمل، ويحدّ من فجوة المهارات التي يعاني منها كثير من الخريجين.
كما يبرز دور الوزارة في دعم ريادة الأعمال، من خلال تشجيع إنشاء الحاضنات ومسرّعات الأعمال داخل الجامعات، وتوفير الدعم الفني والإرشادي للشباب الراغبين في إطلاق مشاريعهم الخاصة. وهذا التوجه يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الاقتصاد الحديث، الذي لم يعد يعتمد فقط على الوظائف التقليدية، بل على المبادرات الفردية والمشاريع الناشئة التي يقودها الشباب.
إن العلاقة بين الرؤية الملكية والتنفيذ الحكومي تشكّل نموذجاً متكاملاً في إدارة التنمية؛ فسمو ولي العهد يرسم الأفق، ويشعل الحافز، ويؤسس لثقافة جديدة قائمة على الابتكار والمبادرة، فيما تعمل المؤسسات الحكومية على ترجمة هذه الرؤية إلى برامج قابلة للتطبيق، وسياسات قابلة للقياس، ونتائج ملموسة يشعر بها المواطن، لا سيما فئة الشباب.
وفي هذا الإطار، تتكامل الأدوار بين مختلف الجهات، وعلى رأسها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، لتوفير منظومة داعمة تُمكّن الشباب من تطوير مهاراتهم، واكتشاف قدراتهم، والانخراط في العمل العام، سواء من خلال العمل التطوعي أو المبادرات المجتمعية أو المشاريع الاقتصادية. وهذا التكامل يعزز من فاعلية الجهود المبذولة، ويضمن استدامتها على المدى الطويل.
ولا يقتصر أثر هذه الجهود على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يمتد ليشمل البعد الاجتماعي والثقافي، حيث يسهم تمكين الشباب في تعزيز قيم الانتماء والمواطنة، ويمنحهم شعوراً بالمسؤولية تجاه وطنهم، ويحفّزهم على المشاركة الفاعلة في قضاياه. فالشاب الذي يشعر بأن صوته مسموع، وأن فكرته يمكن أن تتحول إلى مشروع، سيكون أكثر التزاماً وإيجابية وإنتاجية.
وفي المحصلة، فإن دعم الشباب في الأردن لم يعد شعاراً يُرفع، بل نهجاً يُمارس، تتكامل فيه القيادة مع المؤسسات، وتتلاقى فيه الطموحات مع الفرص. وبين الرؤية والإرادة، يكتب الشباب الأردني قصته، مستنداً إلى قيادة تؤمن به، ومؤسسات تعمل لأجله، ووطن يراهن عليه في مواجهة التحديات وصناعة المستقبل.