قد يتبادر لأذهان البعض أن الطرف القوي أو المعتقد أنه المنتصر في النزاع المسلح لا يتصور أن يلجأ أو يسعى إلى الهدنة أو الاتفاق، إلا إن ذلك ليس فقط متصوراً بل شائعاً تاريخياً واستراتيجياً، فالطرف الأقوى أو المنتصر في النزاع المسلح قد يكون أحيانًا الأكثر حرصاً على الوصول إلى هدنة أو اتفاق، ولكن ليس بدافع الضعف، بل بدافع إدارة النصر.
والفكرة الأساسية هنا؛ أن النصر العسكري لا يكتمل إلا بتحويله إلى مكسب سياسي مستدام، وإذا تساءلنا لماذا يسعى الطرف الأقوى إلى الهدنة؟ فإنه يسعى للهدنة أو الاتفاق لتثبيت المكاسب، لطرف المنتصر يدرك أن استمرار القتال قد يعرّض مكاسبه للتآكل، لذلك يسعى إلى وقف القتال عند نقطة يضمن فيها السيطرة على الأرض أو النفوذ، ويضمن فيها فرض شروطه في المفاوضات، ويسعى للهدنة أيضاً لتقليل الكلفة فحتى الطرف الأقوى يدفع ثمناً بخسائر بشرية، وباستنزاف اقتصادي، وبضغط داخلي، ولذلك قد يرى أن استمرار الحرب لم يعد مجدياً مقارنة بما تحقق.
ويسعى هذا الطرف القوي للهدنة لتجنب المفاجآت الاستراتيجية في الحروب، فلا يوجد نصر مطلق مضمون، واستمرار القتال قد يمنح الخصم فرصة لإعادة التنظيم، وقد يفتح جبهات جديدة، وقد يؤدي إلى تدخل أطراف أخرى، وهو ما تخشاه القوى الكبرى دائماً، كما يسعى الطرف القوي للهدنة لإدارة الصورة الدولية، كون القوة المنتصرة قد تسعى إلى الهدنة للحفاظ على الشرعية الدولية، وللحفاظ على السمعة السياسية، خاصة في ظل قواعد القانون الدولي الإنساني التي تفرض قيودًا على استمرار العمليات.
ويسعى الطرف القوي للهدنة لتحويل النصر العسكري إلى اتفاق سياسي، فالتاريخ يوضح أن الحروب لا تنتهي في الميدان فقط، بل على طاولة المفاوضات، حتى القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة بعد حرب فيتنام سعت إلى اتفاق رغم تفوقها العسكري في مراحل عديدة.
ولكن متى لا يسعى الطرف الأقوى للهدنة؟ فالطرف القوي لا يسعى للهدنة إذا كان يعتقد أن بإمكانه تحقيق نصر كامل، أو إذا كانت أهدافه وجودية أو أيديولوجية، أو إذا كان يريد إعادة تشكيل الواقع بالكامل وليس فقط تحسين موقعه.
ولربط هذه الأفكار حول فرضية (سعي الطرف الأقوى إلى الهدنة) بالصراع الجاري في المنطقة يكشف شيئًا مهماً وهو أن كل الأطراف تتصرف وفق منطق “إدارة القوة” وليس فقط “استخدام القوة”، ولتفكيك سلوك الأطراف؛ نتعرض أولاً لسلوك الطرف الأقوى (كيان الاحتلال + الولايات المتحدة)، فنلاحظ الانتقال من خطاب “النصر الكامل” إلى “أهداف محدودة”، ففي بداية الحرب، كان الهدف إسقاط النظام الإيراني، وإنهاء البرنامج النووي، لكن بعد أسابيع، تراجع الخطاب إلى تدمير القدرات العسكرية، وتقليص الصواريخ والطائرات المسيّرة، فهذا التحول مهم جداً، حيث أنه أول مؤشر على أن الطرف الأقوى بدأ يفكر في نقطة توقف مناسبة.
وكذلك إعلان “نحن نقترب من تحقيق الأهداف”؛ حيث جاءت تصريحات مثل “الحرب تجاوزت منتصفها”، ومثل “حققنا إنجازات كبيرة”، فهذه ليست فقط رسائل داخلية، بل تمهيد نفسي وسياسي لمرحلة التهدئة، لأن أي هدنة تحتاج إلى رواية أو سردية نصر، وتحتاج إلى تبرير التوقف.
ومن ثم نجد الاعلان عن القدرة على الاستمرار، مع عدم الرغبة في ذلك، فعلى الرغم من تأكيد الاستعداد لمواصلة الحرب “لأسابيع” ، إلا أن ذلك يخفي معادلة أعمق وهي: القدرة الرغبة، والقوة مصلحة الاستمرار، والسبب اتساع رقعة الحرب (الخليج، لبنان، الملاحة) ، وتهديد الاقتصاد العالمي (النفط، مضيق هرمز)، وهنا يبدأ التفكير الجدي بالهدنة.
بالإضافة إلى ضغط الحلفاء (العامل الخفي)؛ فتحذيرات دول الخليج من التصعيد دفعت واشنطن لتغيير خطابها، والحديث عن “محادثات” بدل ضربات، وهذا يعكس قاعدة مهمة تتمثل بأن الطرف الأقوى ليس حراً بالكامل، بل مقيد بتحالفاته.
ونتعرض ثانياً لسلوك إيران (الطرف الأضعف نسبيًا)، فنجد لدى ايران استراتيجية “الصمود الذكي”، فهي لا تسعى لنصر تقليدي، بل تسعى إلى إطالة أمد الحرب، ورفع الكلفة على الخصم، وقد استمرت في ضرب كيان الاحتلال، واستهداف مصالح أمريكية إقليمية، ونجد ايران حافظت على فتح باب التهدئة بشروط، وأبدت استعدادًا لخفض التصعيد بشرط عدم استخدام أراضي دول أخرى ضدها، وهذا يعكس رغبتها في الهدنة، لكن دون الاعتراف بالهزيمة، ونجد أيضاً الحفاظ على “القدرة المتبقية”، وانخفاض معدل إطلاق الصواريخ بشكل كبير، وهذا قد يعني استنزاف، أو إعادة تموضع استعدادًا لمفاوضات.
ونتحدث في محور ثالث عن النتيجة الاستراتيجية (المفارقة الكبرى)؛ فسنجد أنفسنا أمام مفارقة، حيث الطرف الأقوى (أمريكا + كيان الاحتلال) يريد وقف الحرب بعد تحقيق مكاسب، في حين أن الطرف الأضعف (إيران) يريد وقف الحرب بعد منع الهزيمة، وكلاهما يريد الهدنة، لكن لأسباب مختلفة.
ومن محور آخر فلماذا لم تحدث الهدنة حتى الآن؟ وعدم عقد هدنة لغاية الآن جاء لأن هناك فجوة بين “نقطة التوقف المثلى” لكل طرف، فالطرف الأقوى يريد تثبيت مكاسب واضحة، ويريد ضمان عدم عودة التهديد، وفي المقابل الطرف الأضعف يريد الخروج دون انهيار، ويريد الحفاظ على الردع، وهذه الفجوة هي ما يُبقي الحرب مستمرة.
خلاصة القول، في الصراع الجاري في المنطقة، الهدنة ليست خياراً أخلاقياً، بل لحظة توازن قسري بين قوتين؛ قوة تريد تثبيت النصر، وقوة تريد منع الهزيمة، ولهذا نرى تصعيداً عسكرياً، بالتوازي مع إشارات دبلوماسية، وهو ما يمكن تسميته “التصعيد من أجل التهدئة”، فالهدنة من منظور الطرف الأقوى ليست علامة ضعف، بل أداة من أدوات القوة، وهي لحظة تحويل التفوق العسكري إلى واقع سياسي دائم، أو ما يمكن تسميته "إدارة النصر بدل المخاطرة بخسارته."