facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




نحو وزارة لتنمية الموارد البشرية: فلسفة جديدة لإدارة التعليم


أ.د. أحمد منصور الخصاونة
07-04-2026 01:30 PM

إن إعادة تسمية وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي إلى وزارة التربية وتنمية الموارد البشرية لا يمكن النظر إليها بوصفها إجراءً إداريًا شكليًا، بل هي تعبير عن تحول استراتيجي في فلسفة إدارة التعليم في الأردن، يقوم على الانتقال من إدارة مراحل تعليمية متفرقة إلى إدارة منظومة متكاملة لإنتاج رأس المال البشري. غير أن هذا التوجه، على أهميته، يجب أن يُفهم في ضوء الاختلاف البنيوي والوظيفي العميق بين التعليم العام والتعليم العالي.

فالتعليم العام ينهض بوظيفة تأسيسية، تتمثل في بناء القاعدة المعرفية والتربوية للطلبة، ضمن إطار شمولي يستهدف مختلف فئات المجتمع، انطلاقًا من إلزامية التعليم وما يرتبط بها من اعتبارات العدالة وتكافؤ الفرص، وتعزيز الهوية الوطنية والقيم الاجتماعية. ولهذا، تميل سياساته بطبيعتها إلى المركزية، وتتطلب مستويات عالية من الضبط والتوحيد في المناهج والمعايير، لضمان مخرجات متقاربة على مستوى الدولة. كما أنه يتعامل مع فئات عمرية حسّاسة، الأمر الذي يفرض حضورًا متوازنًا للأبعاد التربوية والأخلاقية إلى جانب البعد التعليمي، وهو ما ينسحب أيضًا—بدرجة كبيرة—على التعليم المهني، رغم خصوصيته التطبيقية المرتبطة باحتياجات سوق العمل.

وفي المقابل، يتميز التعليم العالي بطابع أكثر تخصصًا ومرونة، حيث تتشكل برامجه وتخصصاته استجابةً لمتغيرات المعرفة والتكنولوجيا واحتياجات السوق على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. وهو قطاع يقوم على التنافسية والانفتاح، ويرتكز على الاستقلال الأكاديمي والبحثي؛ فالجامعات تمثل مراكز لإنتاج المعرفة، وحواضن للابتكار، وشركاء فاعلين في التنمية الاقتصادية من خلال البحث التطبيقي وريادة الأعمال.

كما تتباين أنماط الحوكمة بين القطاعين؛ إذ يخضع التعليم العام لهرمية إدارية مركزية واضحة، في حين يعتمد التعليم العالي على نماذج أكثر مرونة وتشاركية، كالمجالس الأكاديمية ومجالس الأمناء، بما يضمن استقلال القرار الأكاديمي ضمن إطار من المساءلة. ويقابل هذا التباين اختلافٌ جوهري في طبيعة التحديات؛ فبينما يواجه التعليم العام قضايا تتعلق بالاكتظاظ، وتطوير المناهج، وتأهيل المعلمين، يواجه التعليم العالي تحديات ترتبط بجودة البحث العلمي، والتمويل، والتنافسية العالمية، ومواءمة مخرجاته مع سوق العمل.

من هنا، فإن القيمة الحقيقية لفكرة الدمج لا تكمن في توحيد الإدارة بحد ذاته، بل في بناء سياسة وطنية متكاملة لتنمية الموارد البشرية تعالج إشكالية تاريخية تمثلت في تفكك المسارات التعليمية، وتؤسس لرؤية موحدة تمتد من الطفولة المبكرة وصولًا إلى سوق العمل. وفي هذا السياق، يكتسب الإطار الوطني للمؤهلات أهمية خاصة بوصفه أداة تنظيمية لربط المخرجات التعليمية بمستويات المهارة والكفاءة، وهو ما يعزز التكامل بين مكونات النظام التعليمي.

وعليه، فإن نجاح هذا التحول والتكامل مرهون بالقدرة على تحقيق معادلة دقيقة: وحدة في الرؤية والسياسات الكلية، مقابل مرونة في الإدارة والتطبيق تراعي خصوصية كل قطاع. فبدون هذه المعادلة، قد يتحول الدمج إلى مركزية مفرطة تُضعف كفاءة النظام، أما في حال تحقيقها، فإنه سيفضي إلى منظومة تعليمية متماسكة، قادرة على إنتاج إنسان مؤهل، ومواكبة متطلبات التنمية في الحاضر والمستقبل.

لكن، ورغم أهمية هذا التكامل من الناحية المؤسسية، فإن جوهر الإشكالية لا يكمن في هيكل الوزارات بقدر ما يكمن في سلوك الأفراد داخل هذه المنظومة. فالجامعات، على سبيل المثال، لا تعاني من نقص في الأطر التنظيمية أو غياب في الهياكل الإدارية، بل على العكس، تمتلك بنية متكاملة ومتشعبة تبدأ من الأقسام الأكاديمية التي تُدار عبر مجالس مختصة تُعنى بالشؤون العلمية والتدريسية والفنية، مروراً بالكليات التي يقودها عمداء وتُشرف عليها مجالس كليات تتخذ قرارات استراتيجية وأكاديمية، وصولاً إلى مستويات أعلى تشمل اللجان المتخصصة، ومجلس العمداء، ومجلس الجامعة، وانتهاءً بمجلس الأمناء الذي يُفترض أن يمثل المظلة الحاكمة والضابطة لمسار المؤسسة.

لم تنشأ هذه التدرجات التنظيمية بصورة اعتباطية، بل جاءت استجابةً لمتطلبات الحوكمة الرشيدة، التي تقوم على توزيع الصلاحيات، والحد من تركز القرار، وتعزيز مبدأ التشاركية في صنعه. كما تهدف إلى بناء منظومة رقابية داخلية متكاملة، تُراجع فيها القرارات وتُدقَّق عبر مستويات متعددة، بما يسهم في تقليل الأخطاء ورفع جودة المخرجات.

وينسحب هذا الإطار كذلك على مجلس التربية، ومديرياته، وأجنحته الفنية والأكاديمية، حيث تتكامل الأدوار ضمن بنية تنظيمية توازن بين الكفاءة المؤسسية والرقابة الفاعلة.

غير أن فعالية هذه البنية تظل مرهونة بكيفية تفعيلها. فوجود المجالس والمديريات واللجان لا يعني بالضرورة حسن الأداء، إذا ما غابت الجدية في الممارسة، أو تحولت هذه الأطر إلى مجرد قنوات شكلية لإقرار قرارات مُعدة سلفاً. وهنا يظهر الفارق بين “النص” و”التطبيق”؛ إذ يمكن أن تكون الأنظمة متقدمة من حيث التصميم، لكنها تفقد قيمتها إذا لم تُمارس بروح المسؤولية والنزاهة.

كما أن تعدد المستويات الإدارية، رغم أهميته، قد يتحول في بعض الحالات إلى عبء إذا أسيء استخدامه، سواء من خلال تعطيل اتخاذ القرار، أو التهرب من المسؤولية عبر توزيعها بشكل يفضي إلى ضياعها. فبدلاً من أن يكون تعدد المجالس أداة لتعزيز الرقابة، قد يصبح وسيلة لتبادل اللوم، إذا لم يكن هناك وضوح في الأدوار ومحاسبة فعلية.

لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن في إعادة تصميم هذه الهياكل، بل في ترسيخ ثقافة مؤسسية قائمة على الكفاءة، والشفافية، والمساءلة. فحين يدرك كل عضو في هذه المجالس أن دوره ليس شكلياً، بل هو مسؤولية حقيقية ذات أثر مباشر، تتحول هذه البنية من مجرد إطار تنظيمي إلى أداة فاعلة في تحقيق الجودة والتميز.

ومع ذلك، نجد أحياناً من يُحمّل مجالس الأمناء أو مجالس الجامعة مسؤولية الإخفاقات، وكأن الخلل يكمن في وجود هذه المجالس أو الهيئات بحد ذاتها، لا في طريقة عملها أو في ممارسات أعضائها. وهذا الطرح، رغم بساطته الظاهرية، ينطوي على قدر من التبسيط المخلّ، لأنه يتجاوز جوهر المشكلة ويبحث عن شماعة مؤسسية لتعليق الإخفاقات عليها.

فالحقيقة أن هذه المجالس وُجدت أصلاً كأدوات لضبط الأداء، وتعزيز الحوكمة، وترسيخ مبدأ المساءلة، لا كعائق أمام التطوير. فهي تمثل، من حيث المبدأ، صمّام أمان يضمن عدم انفراد جهة واحدة بالقرار، ويؤسس لبيئة تشاركية تُوازن بين الاستقلالية والرقابة. لكن هذا الدور يفقد مضمونه عندما تتحول المشاركة إلى إجراء شكلي، أو حين تُمارس الصلاحيات بروح المجاملة أو التردد أو حتى اللامبالاة.

إن المشكلة الحقيقية لا تكمن في النصوص التي أنشأت هذه المجالس، بل في السلوك الذي يُفرغها من مضمونها. فحين يغيب الشعور بالمسؤولية الفردية، وتضعف ثقافة الالتزام، تصبح القرارات إما متسرعة بلا تمحيص، أو معطّلة بفعل التردد، أو ممرّرة دون نقاش جاد. وفي كل هذه الحالات، لا تكون المجالس هي المشكلة، بل طريقة تفعيلها.

كما أن تحميل المجالس المسؤولية بشكل مطلق قد يُستخدم أحياناً كوسيلة للهروب من المحاسبة الفردية، حيث يُذيب الخطأ داخل الإطار الجماعي، فلا يُعرف من قصّر ومن أهمل. وهنا تتجلى خطورة غياب المساءلة الحقيقية، إذ تتحول المسؤولية من التزام واضح إلى مفهوم ضبابي قابل للتأويل.

لذلك، فإن إصلاح الأداء لا يتحقق بإلغاء هذه المجالس أو التقليل من شأنها، بل بإعادة الاعتبار لدورها الحقيقي، وتفعيل آليات المساءلة داخلها، وتعزيز ثقافة العمل المؤسسي القائم على الكفاءة لا المجاملة، وعلى القرار المسؤول لا الشكلي. فالمجالس، مهما بلغت دقة تصميمها، تبقى أدوات بيد من يديرها؛ فإن أُحسن استخدامها، كانت رافعة للإصلاح، وإن أُسيء تفعيلها، تحولت إلى عبء يُضاف إلى قائمة التحديات.

إن اختزال الأزمة في المؤسسات هو، في جوهره، تبسيط مخلّ يفتح الباب للهروب من المسؤولية الفردية. فالمؤسسة، مهما بلغت درجة تنظيمها، ليست كياناً مستقلاً بذاته، بل هي انعكاس مباشر لسلوك الأفراد القائمين عليها. ومن هنا، فإن إلقاء اللوم الكامل على الهياكل التنظيمية يُغفل حقيقة أن هذه الهياكل لا تعمل إلا من خلال من يشغلونها ويمارسون صلاحياتها. ويكفي أن نتأمل مثال البلديات؛ فاتهامها وحدها بتردي واقع النظافة يتجاهل أن جانباً كبيراً من المشكلة يرتبط بسلوك يومي يمارسه الأفراد دون اكتراث، حين تُلقى النفايات في الشوارع أو تُهمل قواعد النظام العام. فالمؤسسات تُنظّم وتُراقب وتضع الأطر، لكنها لا تستطيع أن تُنشئ بديلاً عن الوعي الفردي أو الضمير المهني.

ومن هذا المنطلق، فإن أي حديث جاد عن الإصلاح لا يمكن أن يبدأ من القمة فقط، بل يجب أن ينفذ إلى القاعدة، حيث يتشكل السلوك اليومي وتتجلى الممارسات الفعلية. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من الإنسان: من التزامه بالقوانين، ومن احترامه للأنظمة، ومن إدراكه أن دوره ليس هامشياً بل محوري في إنجاح المنظومة أو تعطيلها. فالنصوص القانونية، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزة إن لم تجد من يُفعّلها بروح المسؤولية. إن الفجوة الحقيقية ليست بين القوانين والتطبيق فحسب، بل بين القناعة الداخلية والالتزام الخارجي.

وعندما تتجذر ثقافة الامتثال الواعي، وتُربط المسؤولية بالمحاسبة الفعلية، تتحول المؤسسات من أطر شكلية إلى أدوات إنتاج حقيقية.

عندها فقط تصبح المجالس والهيئات قادرة على أداء دورها كما ينبغي، لا باعتبارها واجهات تنظيمية، بل كمنصات فاعلة لصنع القرار الرشيد. فالمسؤولية الفردية هنا لا تُضعف العمل المؤسسي، بل تعززه، لأنها تمنحه المصداقية والفعالية.

وفي المحصلة، لا يمكن لأي إصلاح مؤسسي أن يحقق أهدافه بمعزل عن إصلاح سلوكي موازٍ. فالتشريعات قد تُفرض، لكن القيم لا تُفرض بذات السهولة؛ إنها تُبنى بالتراكم والممارسة. ولذلك، فإن الدولة، مهما طورت من أنظمتها وهياكلها، تبقى بحاجة إلى إنسان واعٍ يدرك أن المسؤولية ليست عبئاً يُلقى على الآخرين، بل التزاماً شخصياً ينعكس أثره على جودة الأداء العام. فبقدر ما يرتقي سلوك الفرد، ترتقي المؤسسة، وبقدر ما تتعزز ثقافة المسؤولية، يترسخ الإصلاح الحقيقي.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :