الإعدام عقوبة انتقامة وليست تحقيق عدالة
المحامي الدكتور هيثم عريفج
07-04-2026 01:33 PM
من أخطر ما يُفسد النقاش العام حول عقوبة الإعدام أن يُدفع الناس دفعًا إلى الزاوية العاطفية: ماذا لو كان الضحية قريبك؟ وماذا لو كانت الجريمة بشعة؟ وماذا لو امتلأ قلبك غضبًا ووجعًا؟ الا تؤيد عقوبة الاعدام حينها .
التشريع لا يُبنى على لحظة انفعال، ولا على وجع شخصي، ولا على نزعة ثأر مهما كانت مفهومة إنسانيًا. القانون يُبنى على المبدأ، لا على الغضب، وعلى العدالة، لا على الرغبة في الانتقام. لذلك، حين نناقش عقوبة الإعدام، فنحن لا نتحدث عن موقف شخصي، ولا عن حالة فردية، ولا عن بلد بعينه، بل عن سؤال أكبر وأخطر: هل يجوز للدولة أن تقتل باسم العدالة؟
الجواب الذي يفرض نفسه اليوم، قانونيًا وأخلاقيًا وحقوقيًا، هو أن الإعدام لا يمكن اعتباره انتصارًا للعدالة، بل اعترافٌ بفشلها في الوصول إلى عقوبة صارمة وعادلة من دون إزهاق الروح. فالدولة التي يفترض أن تحمي الحق في الحياة لا يجوز أن تتحول هي نفسها إلى من يمارس القتل تحت غطاء القانون. العدالة الحديثة لا تُقاس بقدرتها على إنهاء حياة الإنسان، بل بقدرتها على حماية المجتمع، ومعاقبة الجاني، وصون المبادئ في الوقت نفسه.
أول ما ينسف مشروعية الإعدام أنه عقوبة لا رجعة فيها. قد يخطئ التحقيق، وقد تضل المحكمة، وقد تُساء قراءة الأدلة، وقد تظهر لاحقًا وقائع جديدة، أو اعترافات، أو شهادات، أو تقنيات علمية تقلب الحكم رأسًا على عقب. في السجن يمكن تصحيح الحكم، ويمكن للدولة أن تتراجع، ويمكن للعدالة أن تعتذر، ولو متأخرة. أما في الإعدام، فلا تصحيح بعد التنفيذ، ولا اعتذار يعيد روحًا أُزهقت ظلمًا، ولا قانون يستطيع التراجع عن موتٍ صدر بحكم قضائي ثم تبيّن خطؤه. وهذه وحدها كافية لكي تجعل الإعدام عقوبة غير مأمونة في أي نظام عدالة بشري، لأن البشر يخطئون، والقضاء، مهما بلغ من التطور، ليس معصومًا.
ثم يأتي الادعاء الأكثر تكرارًا: الإعدام يردع الجريمة. لكن هذا الادعاء، رغم شيوعه، لم يثبت بصورة حاسمة. بل إن الدول التي تطبق الإعدام لم تتحول إلى مجتمعات خالية من الجرائم الخطيرة، ولم يثبت أن الإعدام أكثر ردعًا من السجن المؤبد أو العقوبات الطويلة. ذلك لأن من يرتكب جريمة قتل عمد مع سبق الإصرار والترصد لا يقف عادة عند الفارق بين الموت والسجن الطويل؛ فهو غالبًا يدخل الجريمة بعقلية محسومة، أو بدافع انتقام، أو تطرف، أو انهيار، أو حسابات لا تتحكم فيها فلسفة الردع أصلًا. من يخطط للجريمة بهذه الصورة يعلم سلفًا جسامة العقوبة، ومع ذلك يقدم عليها. ولذلك فإن الإعدام لا يوقف الجريمة من جذورها، لأنه لا يعالج أسبابها الحقيقية: الفقر، والتهميش، والتفكك، والتطرف، وانتشار السلاح، والمخدرات، وغياب العدالة الاجتماعية.
الإعدام، فوق ذلك، ليس عقوبة محايدة كما يُراد لها أن تبدو. ففي كثير من الدول يتأثر تطبيقها بسبب الفقر، وضعف الدفاع، والانتماء الاجتماعي أو العرقي أو السياسي، فتغدو العدالة انتقائية، ويصبح من يواجه الإعدام أحيانًا هو الأضعف لا الأخطر. وهنا تتحول العقوبة من أداة قانونية إلى مرآة لخلل المجتمع واختلال ميزان القوة فيه. والأسوأ أن بعض الأنظمة قد تستخدمها سياسيًا، لا باعتبارها عقوبة جنائية فحسب، بل كأداة ترهيب وقمع وتصفية تحت لافتة المشروعية القضائية.
ومن أعمق الاعتراضات على الإعدام أنه يغلق كل أبواب المراجعة والإصلاح. السجن، مهما كان قاسيًا، يترك بابًا للتوبة، وبابًا لإعادة التأهيل، وبابًا للعفو، وبابًا للمصالحة أو العدالة التصالحية حين تكون ممكنة. أما الإعدام فيغلق الأبواب كلها دفعة واحدة، ويقدم الموت باعتباره الحل النهائي، وكأن الدولة تعلن عجزها عن تحقيق الردع والحماية إلا بإلغاء الإنسان نفسه. وهنا تنحدر العدالة من مستوى المبدأ إلى مستوى الثأر، ومن منطق الدولة الحديثة إلى منطق الانتقام البدائي.
أخطر ما في عقوبة الإعدام ليس فقط أنها تزهق حياة إنسان، بل أنها تُفسد المعنى الأخلاقي للعدالة ذاتها. فحين تقتل الدولة باسم القانون، فإنها لا ترسخ قدسية الحياة، بل ترسخ فكرة أن القتل قد يكون مشروعًا إذا صدر عن سلطة رسمية. وحين يصبح الموت أداة عدالة، تختلط الحدود بين القانون والانتقام، وبين هيبة الدولة وعنفها، وبين إنصاف الضحية وإشباع الغضب العام.
الموقف من الإعدام ليس دفاعًا عن المجرمين، ولا استخفافًا بحقوق الضحايا، ولا ترفًا حقوقيًا كما يحلو للبعض أن يصوره. بل هو دفاع عن عدالة أكثر قوة واتزانًا ونزاهة، وعدالة لا ترتكب الجريمة نفسها وهي تزعم معاقبتها. المجتمع يحتاج إلى حماية صارمة وحقيقية، نعم، لكنه لا يحتاج إلى أن تتحول المحاكم إلى بوابات موت. فالدولة القوية ليست هي التي تقتل أكثر، بل التي تحاكم بعدل، وتعاقب بحزم، وتحمي المجتمع من دون أن تسقط هي نفسها في هاوية القتل المنظم باسم القانون.
ينظر الاردن وعلى راسه جلالة الملك عندما يرفض المصادقة على تنفيذ احكام الاعادم الى ان تكون قيمة الحياة هي الاسمى والرحمة هي الاساس ، ومن هنا لم ينفذ الاردن منذ اكثر من خمسة وعشرين عاماً الا عدداً محدوداً جداً من الاعدامات لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة ، لاسباب كانت قاهرة ومحسوبة بدقة