العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية: بين قدسية النص وواقعية التسييس
محمد نور الدباس
07-04-2026 01:44 PM
في عالمٍ يرفع شعارات العدالة والكرامة الإنسانية، يقف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (International Covenant on Civil and Political Rights) بوصفه أحد أكثر النصوص القانونية طموحاً في التاريخ المعاصر، نصٌ كُتب ليحمي الإنسان من تعسف الدولة، فإذا به (في كثير من الأحيان) يقع أسيراً لتعسف السياسة الدولية ذاتها.
فمن حيث المبدأ، يبدو العهد وكأنه انتصار أخلاقي للبشرية، فهو يكرّس حقوقاً أساسية لا يجوز المساس بها مثل الحق في الحياة، وحرية التعبير، وحرية الاعتقاد، والحق في محاكمة عادلة، لكنه، عند اختباره على أرض الواقع، يكشف عن مفارقة عميقة، تتمثل هذه المفارقة في أنه كلما ارتفعت قيمة النص، اتسعت فجوة التطبيق.
المشكلة ليست في العهد ذاته، بل في البيئة التي يُفترض أن يُطبق فيها، فالنظام الدولي، الذي تشرف عليه الأمم المتحدة، لا يقوم على العدالة بقدر ما يقوم على توازنات القوة، وهنا تبدأ القصة الحقيقية؛ فحقوق الإنسان ليست دائماً معياراً ثابتاً، بل تتحول (في آحيان كثيرة) إلى أداة انتقائية تُستخدم حين تخدم المصالح، وتُهمّش حين تتعارض معها.
ولننظر إلى آليات الرقابة، فـاللجنة المعنية بحقوق الإنسان، رغم أهميتها، لا تمتلك سلطة تنفيذية حقيقية، وتوصياتها أقرب إلى نداء أخلاقي منها إلى حكم ملزم، وفي عالم تحكمه المصالح، لا يكفي النداء الأخلاقي لردع الانتهاكات، وهكذا، يصبح الالتزام بالعهد مرهوناً بحسن نية الدول، لا بقوة القانون.
والأخطر من ذلك هو ما يمكن تسميته بـ “المرونة الخطرة” داخل النص ذاته، فالعهد يسمح بتقييد بعض الحقوق تحت عناوين فضفاضة مثل “الأمن القومي” و“النظام العام”، فهذه العبارات، التي كان يفترض أن تكون استثناءً، تحولت في بعض السياقات إلى قاعدة تُشرعن التضييق على الحريات، وفي حالات الطوارئ، تتسع هذه المساحة أكثر، حتى يكاد الاستثناء يبتلع الأصل.
لكن الإشكالية الأعمق تتعلق بطبيعة الفلسفة التي يقوم عليها العهد، فهو يعكس تصوراً ليبرالياً يضع الفرد في مركز المنظومة الحقوقية، وهو تصور مشروع، لكنه ليس محايداً ثقافياً، ففي مجتمعات تقوم على البُنى الجماعية والروابط التقليدية، تبدو هذه الفردانية أحياناً غريبة عن السياق، أو على الأقل غير مكتملة، وهنا يبرز سؤال يمكن اعتباره سؤالاً حساساً وهو هل العهد تعبير عن قيم إنسانية عالمية، أم عن نموذج حضاري جرى تعميمه؟
ورغم هذه الانتقادات، لا يمكن إنكار أن العهد أحدث تحولاً نوعياً في الوعي الحقوقي العالمي، فقد وضع معياراً يمكن بناءً عليه مساءلة الدول على أساسه، وفتح الباب أمام الأفراد لمخاطبة المجتمع الدولي، ولو رمزياً، لكنه، في المقابل، لم ينجح في كسر المعادلة الأساسية، وهي أن القوة ما زالت تتقدم على القانون.
مع الأخذ بعين الاعتبار إن أخطر ما يواجه منظومة حقوق الإنسان اليوم ليس غياب النصوص، بل فقدان الثقة بها، حين يرى المواطن أن الحقوق تُطبّق بانتقائية، وأن الانتهاكات تُدان هنا وتُبرّر هناك، فإن الخطاب الحقوقي يفقد مصداقيته تدريجياً، وعندها، لا يعود العهد أداة حماية، بل يتحول (في نظر البعض) إلى غطاء أخلاقي لواقع غير عادل.
وفي نهاية السياق نقول، أنّ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية يبقى وثيقة دولية ضرورية، لكنه ليس كافياً، فهو يمثل سقفاً أخلاقياً مرتفعاً، دون أن يمتلك الأعمدة الصلبة التي تحمله، وبين قدسية النص وواقعية التسييس، تبقى حقوق الإنسان معلّقة، فلا هي غائبة تمامًا، ولا هي محققة كما ينبغي، والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بجرأة؛ هل نحتاج إلى تطوير النصوص، أم إلى إعادة بناء النظام الدولي الذي يُفترض أن يحميها؟