تجاوز «هرمز» .. وتعظيم العوائد النفطية
د. رامي كمال النسور
08-04-2026 11:56 AM
في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في المنطقة مؤخراً، يبرز ملف أمن إمدادات الطاقة كأولوية قصوى لدول مجلس التعاون الخليجي. ويأتي التفكير في مد أنابيب نفط بديلة تتجاوز مضيق هرمز كخيار استراتيجي يعكس تحولاً نوعياً في إدارة المخاطر، ويؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار الاقتصادي وتعظيم العوائد.
إن مضيق هرمز يمثل أحد أهم الممرات الحيوية في العالم، إذ يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية. غير أن اعتماده كمسار شبه وحيد لصادرات الخليج يجعله نقطة اختناق استراتيجية، تتأثر سريعاً بأي تصعيد سياسي أو عسكري.
ومن هنا، فإن تنويع مسارات التصدير لم يعد خياراً تكميلياً أو رفاهية ً، بل ضرورة اقتصادية وأمنية.
إن إنشاء شبكات أنابيب بديلة يحمل في طياته مجموعة من العوائد الاقتصادية المهمة، أبرزها تقليل المخاطر الجيوسياسية من خلال تخفيف الاعتماد على ممرات بحرية حساسة يقلل من احتمالات تعطل الصادرات. وكذلك خفض تكاليف التأمين والشحن ففي أوقات الأزمات، ترتفع علاوات المخاطر على السفن بشكل كبير، ما ينعكس مباشرة على كلفة الصادرات. كذلك يؤدي إنشاء الخطوط البديلة إلى تعزيز استقرار الإيرادات وضمان تدفق النفط من دون انقطاع ما يسهم في استقرار الميزانيات العامة. إضافة إلى رفع القدرة التفاوضية للدول المنتجة إذ الدول التي تمتلك بدائل تصدير أكثر تكون في موقع أقوى في الأسواق العالمية.
وهنا تبرز الحاجة إلى تناول موضوع الإيرادات الفائتة... كلفة الإغلاق غير المرئي ففي حال تعطل أو إغلاق مضيق هرمز لفترة قصيرة فإن الخسائر لا تقتصر على توقف الشحنات، بل تمتد إلى إيرادات فائتة ضخمة.
فكل يوم تعطّل يعني فقدان ملايين البراميل من الصادرات وخسارة مباشرة في التدفقات النقدية الحكومية إضافة إلى ضغط على الموازنات العامة والإنفاق الرأسمالي كما أن الأسواق لا تعوض هذه الخسائر بالكامل لاحقاً، إذ إن الفرص الضائعة في البيع عند مستويات سعرية معينة لا يمكن استعادتها، خاصة في ظل تقلبات الأسعار.
إضافة إلى ذلك، فإن تعطّل الإمدادات قد يدفع العملاء العالميين إلى البحث عن موردين بديلين، ما يهدد الحصص السوقية على المدى المتوسط وبالتالي، فإن الاستثمار في خطوط الأنابيب البديلة لا يمثل كلفة إضافية، بل هو أداة لحماية الإيرادات ومنع خسائر محتملة بمليارات الدولارات.
والحقيقة أن فكرة تجاوز نقاط الاختناق ليست جديدة، فقد شهدت المنطقة في منتصف القرن الماضي إنشاء خط التابلاين (Trans-Arabian Pipeline)، الذي نقل النفط السعودي عبر الأراضي العربية إلى البحر الأبيض المتوسط.
ورغم توقفه لاحقاً، فإنه شكل سابقة استراتيجية تؤكد أهمية تنويع مسارات التصدير، وتقليل الاعتماد على الممرات الضيقة.
وفي هذا الصدد قدمت دولة الإمارات نموذجاً متقدماً في هذا المجال من خلال خط أنابيب حبشان – الفجيرة، الذي ينقل النفط من حقول أبوظبي إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب، متجاوزاً مضيق هرمز بالكامل.
هذا المشروع لم يعزز فقط أمن الصادرات، بل حول الفجيرة إلى مركز طاقة إقليمي، يضم مرافق تخزين وتصدير استراتيجية، ويستقطب استثمارات عالمية في قطاع الطاقة.
وبدورها، عملت المملكة العربية السعودية على تطوير خط الأنابيب شرق–غرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
هذا الخط يمنح المملكة مرونة كبيرة في توجيه صادراتها نحو الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية والأمريكية، بعيداً عن أي مخاطر محتملة في الخليج العربي.
إن الخطوة التالية تتمثل في تعزيز التكامل بين دول الخليج عبر شبكات أنابيب مترابطة، تتيح تنويع المسارات وتبادل القدرات التصديرية.
مثل هذا التكامل من شأنه أن يحول المنطقة إلى منظومة طاقة أكثر مرونة واستدامة، قادرة على التعامل مع الصدمات الجيوسياسية بكفاءة أعلى ما يعني بالنتيجة نحو تكامل خليجي في البنية التحتية.
إن الاستثمار في تطوير خطوط أنابيب بديلة لتجاوز مضيق هرمز لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية تقليدي، بل يمثل خياراً استراتيجياً يعيد تشكيل معادلة الأمن الاقتصادي والطاقة في المنطقة، من خلال تقليص المخاطر الجيوسياسية وتعزيز استدامة التدفقات النقدية النفطية.
وفي ظل التحولات المتسارعة في أسواق الطاقة العالمية، فإن الدول التي تستبق المخاطر عبر تنويع قنوات التصدير ستتمتع بميزة تنافسية نوعية، تُمكّنها من الحفاظ على استقرار إيراداتها وتعزيز موثوقيتها كمورد رئيسي للطاقة، حتى في أوقات الاضطراب.
كما أن التجارب العملية، سواء من خلال مشاريع دولة الإمارات العربية المتحدة أو المملكة العربية السعودية، إلى جانب الدروس التاريخية المستفادة من خط «التابلاين»، تؤكد أن تنويع مسارات تصدير النفط لم يعد خياراً تكميلياً، بل ركيزة أساسية في استراتيجيات الطاقة والسياسات المالية لدول المنطقة.
* مستشار في الأسواق المالية والاستدامة
الخليج