انتخابات مجالس طلبة الجامعات: بين غياب الأحزاب السياسية وإعادة تشكيل التحالفات
عبدالله حمدان الزغيلات
09-04-2026 08:29 PM
تشهد انتخابات الجامعات الأردنية كل دورة حالة من الزخم، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى مواسم عابرة، تدار بعقلية مؤقتة لا تؤسس لعمل طلابي مستدام. فبدل أن تكون هذه الانتخابات مساحة حقيقية لممارسة الديمقراطية وتعزيز الوعي السياسي لدى الطلبة، نجدها تختزل في كثير من الأحيان في بناء تحالفات عشائرية دلت أبعاد ضيقة، تعيد إنتاج أنماط تقليدية تضعف روح التنافس البرامجي بين قوائم الطلبة، وتغيب العمل الديمقراطي، وهو جوهر العمل الطلابي خاصة في انتخابات اتحاد الطلبة، بل وتمس بشكل مباشر مسار التحديث السياسي.
وعلى الرغم من إقرار تشريعات تسمح للطلبة بمزاولة النشاط الحزبي داخل الجامعات، عبر نظام رقم 68 لسنة 2022 (نظام تنظيم ممارسة الأنشطة الحزبية الطلابية في مؤسسات التعليم العالي) وذلك بمقتضى الفقرة (أ) من المادة (20) من قانون الأحزاب السياسية رقم (7) لسنة 2022. وبموجب النظام، فإنه يحتم على الجامعات تغيير أدوات العمل والتمكين السياسي لضمان تجربة حزبية ناضجة على كافة الصعد. كما أتاح النظام للطلبة ممارسة التوعية والتثقيف الحزبي، والتعريف بالعملية الانتخابية، وتشجيع المشاركة الطلابية بالعمل العام وبالانتخابات التي تنظمها الجامعات لمجالس الطلبة، وعقد الندوات والمناظرات السياسية والمشاركة فيها، كما ألزم النظام الطلبة، بإقامة النشاط الحزبي في الأمكنة والأوقات الموافق عليها بمقتضى أحكام هذا النظام والتعليمات الصادرة بمقتضاه، والحصول على الموافقة الخطية من العمادة قبل الإعلان عن إقامة النشاط الحزبي أو الدعوة إليه أو البدء بتنفيذه.
إلا أن هذا الحق غالبًا لا يستغل وخاصة من قبل الطلبة أنفسهم، في حين تغيب الأحزاب عن المشهد الطلابي بشكل واضح للجميع. وإن حضرت، فإن حضورها يكون شكليًا وموسميًا، ونضرب مثالًا هنا، على تجربة الأحزاب السياسية في الجامعات في موسم الانتخابات النيابية لعام 2024، حيث ظهر النشاط الحزبي آنذاك، كنوع من الاستعراض اللحظي، ودعاية تسويقية لتلك الأحزاب، قبل أن يتلاشى مجددًا مع انتهاء الموسم الانتخابي.
هذا السلوك يعكس بوضوح أزمة حقيقية تعاني منها الأحزاب السياسية في الأردن، تتمثل في ضعف قدرتها على استقطاب الشباب، وعدم قدرتها على بناء قواعد طلابية حقيقية داخل الجامعات. فالشباب لا يبحث فقط عن شعارات، بل عن برامج حقيقية، ومساحات مشاركة مستمرة، وهو ما لم تتمكن الأحزاب السياسية من توفيره حتى الآن بالشكل المطلوب.
إن استمرار هذا الواقع يفرغ انتخابات الجامعات من مضمونها، ويجعلها بعيدة عن أن تكون حاضنة لتجارب ديمقراطية فاعلة، في وقت تتجه فيه الأردن نحو مسار التحديث السياسي الطموح. هذا المشروع، الذي تقوده رؤى جلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين، حيث يهدف إلى الوصول لحكومات برلمانية قائمة على كتل حزبية قوية لها امتداد حقيقي في الشارع، وهو ما لا يمكن تحقيقه دون بيئة جامعية تعد الشباب للانخراط الحزبي، وتعزز المشاركة السياسية الفاعلة لديهم.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد مشاركة موسمية، بل إعادة تعريف دور الجامعة كمساحة حقيقية للعمل السياسي المنظم، وتعزيز حضور الأحزاب بشكل مستدام، قائم على البرامج والتفاعل اليومي مع قضايا الطلبة. فبغير ذلك، ستبقى الانتخابات الجامعية تدور في حلقة مفرغة، وستظل الأحزاب عاجزة عن لعب دورها في بناء مستقبل سياسي أكثر نضجًا واستقرارًا، فلا يمكن أن يحدث هذا الأمر بتجاهل الفئة الأكثر تعدادًا، والتي تمتلك مهارات وطاقات كامنة غير مستثمر فيها.