الامير الحسن يتصدر مؤتمر المناخ في قبرص
السفير د. موفق العجلوني
10-04-2026 10:50 AM
في لحظة دولية فارقة تتصاعد فيها التحديات المناخية وتتداخل مع الأزمات السياسية والاقتصادية، برزت مشاركة سمو الأمير الحسن بن طلال حفظه الله في المؤتمر الدولي للعمل المناخي في قبرص كحضور نوعي يتجاوز الإطار البروتوكولي، ليعكس دوراً فكرياً واستراتيجياً للأردن في صياغة خطاب عالمي أكثر توازناً وعدالة في التعامل مع أزمة المناخ.
لم تكن مشاركة سمو الأمير الحسن مجرد كلمة تُلقى في مؤتمر دولي، بل جاءت امتداداً لمسيرة طويلة من العمل الفكري والدبلوماسي الذي يربط بين الإنسان وبيئته، ويضع القضايا المناخية ضمن سياق أوسع يشمل الأمن الإنساني والتنمية المستدامة. فقد قدم سموه طرحاً عميقاً يلفت الانتباه إلى أن أزمة المناخ ليست مجرد ظاهرة بيئية، بل هي أزمة حضارية تتطلب إعادة التفكير في أنماط الإنتاج والاستهلاك، وفي طبيعة العلاقات بين الدول والمجتمعات.
يُعرف سمو الأمير الحسن على المستوى الدولي كأحد أبرز الأصوات الداعية إلى التكامل الإقليمي والتعاون العابر للحدود، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وشرق البحر الأبيض المتوسط التي تعد من أكثر المناطق تأثراً بالتغير المناخي. ومن هذا المنطلق، جاءت مداخلته في المؤتمر لتؤكد أهمية “الدبلوماسية العلمية” كوسيلة لبناء جسور الثقة بين الدول، وتحويل المعرفة العلمية إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ.
كما شدد سموه على ضرورة إعادة تعريف مفهوم الأمن ليشمل الأمن المائي والغذائي والبيئي، وهو طرح ينسجم مع التوجهات الحديثة في الفكر الدولي، ويعكس وعياً مبكراً لدى الأردن بأهمية هذه القضايا .
إن مشاركة شخصية بحجم سمو الأمير الحسن تضفي على أي محفل دولي بعداً نوعياً، إذ لا تقتصر أهميتها على المكانة السياسية، بل تمتد إلى العمق الفكري والقدرة على التأثير في مسار النقاشات. فسموه يمثل نموذجاً للقائد المفكر الذي يجمع بين الخبرة السياسية والرؤية الإنسانية، ما يجعله قادراً على مخاطبة مختلف الأطراف بلغة مشتركة تقوم على المصالح المتبادلة والمسؤولية الجماعية.
كما أن حضور سموه يمنح المؤتمرات الدولية مصداقية إضافية، ويعزز من فرص تحويل التوصيات إلى مبادرات عملية، خاصة في ظل التحديات التي تواجه تنفيذ الاتفاقيات المناخية على أرض الواقع.
تعكس مشاركة سمو الأمير الحسن الدور المتنامي الذي يلعبه الأردن في القضايا البيئية، رغم محدودية موارده الطبيعية. فقد استطاع الأردن أن يقدم نموذجاً في الالتزام بالاتفاقيات الدولية، وفي تبني سياسات تسعى إلى تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية والحفاظ على البيئة.
ومن خلال هذا الحضور الدولي، يؤكد الأردن أنه ليس مجرد متلقٍ لتأثيرات التغير المناخي، بل شريك فاعل في صياغة الحلول، ومساهم في الجهود العالمية الرامية إلى حماية كوكب الأرض.
ما يميز طرح سمو الأمير الحسن هو تركيزه على البعد الإنساني للأزمة المناخية، حيث يربط بين التدهور البيئي وتفاقم الفقر والنزاعات والهجرة. وهو بذلك يدعو إلى مقاربة شاملة تضع الإنسان في مركز الاهتمام، وتؤكد أن حماية البيئة هي في جوهرها حماية للحياة والكرامة الإنسانية.
و في عالم يزداد تعقيداً وتداخلاً، تبرز الحاجة إلى قيادات فكرية قادرة على تقديم رؤى متوازنة تجمع بين العلم والإنسانية، وبين السياسة والأخلاق. وتأتي مشاركة سمو الأمير الحسن بن طلال في مؤتمر قبرص لتجسد هذا النموذج، ولتؤكد أن للأردن صوتاً مسموعاً في القضايا العالمية الكبرى.
إنها مشاركة سموه لا تعكس فقط حضوراً دبلوماسياً، بل تمثل رسالة واضحة مفادها أن العمل المناخي لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية تتطلب تعاوناً دولياً صادقاً، ورؤية إنسانية شاملة، وهو ما يدعو إليه الأردن من خلال قياداته السياسية وعلى رأسها جلالة الملك عبد الله الثاني ابن الحسين حفظه الله .
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الانعكاسات الخطيرة للتصعيدات العسكرية في المنطقة، بما في ذلك تداعيات الحرب الأمريكية–الإسرائيلية وما ارتبط بها من توترات امتدت إلى إيران ولبنان، حيث ألقى هذا التصعيد بظلاله الثقيلة ليس فقط على الاستقرار السياسي، بل أيضاً على البيئة والمناخ وصحة الإنسان والكائنات الحية.
لقد أدى الاستخدام المكثف للصواريخ والطائرات المسيّرة والتفجيرات إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات السامة والجسيمات الدقيقة في الغلاف الجوي، ما يسهم بشكل مباشر في تلوث الهواء وارتفاع مستويات الانبعاثات الكربونية. هذه الملوثات لا تبقى محصورة في مناطق النزاع، بل تنتقل عبر الرياح لمسافات بعيدة، مما يفاقم من ظاهرة التغير المناخي ويؤثر على دول الجوار.
كما أن الحرائق الناتجة عن القصف وتدمير البنية التحتية، خاصة منشآت الطاقة والمصانع، تؤدي إلى انبعاث مواد كيميائية خطرة تؤثر على جودة الهواء والتربة والمياه. ويترتب على ذلك آثار صحية خطيرة على الإنسان، مثل زيادة أمراض الجهاز التنفسي وأمراض القلب، إضافة إلى التأثيرات طويلة الأمد الناتجة عن التعرض للمواد السامة.
أما على صعيد الحياة البرية، فإن هذه الحروب تسهم في تدمير المواطن الطبيعية للحيوانات، وتؤدي إلى نفوق أعداد كبيرة منها، أو هجرتها القسرية، مما يخلّ بالتوازن البيئي. كما تتأثر الثروة الحيوانية والزراعية بشكل مباشر، ما يهدد الأمن الغذائي في المنطقة.
إن هذه التداعيات البيئية للحروب تعزز من الطرح الذي يؤكد عليه سمو الأمير الحسن بن طلال، بأن الأمن لا يمكن فصله عن البيئة، وأن النزاعات المسلحة تمثل أحد أخطر التهديدات غير المباشرة للمناخ والاستدامة. ومن هنا، تتزايد الحاجة إلى إدراج البعد البيئي في تقييم آثار الحروب، والعمل على الحد من هذه التداعيات ضمن إطار دولي يوازن بين متطلبات الأمن وحماية الكوكب.
* المدير العام - مركز فرح الدولي للدراسات و الابحاث الاستراتيجيةً
muwaffaq@ajlouni.me