الأردن يفرض معادلة الثبات السياسي ويعيد ضبط قواعد التعامل مع الاحتلال الإسرائيلي
د. عبدالله حسين العزام
11-04-2026 10:05 AM
في ظل حالة إقليمية تتسم بتصاعد التوترات السياسية والأمنية والانقسامات الأيديولوجية وإعادة تشكّل المشهد السياسي في المنطقة، حملت التقارير الإعلامية في كيان الإحتلال الإسرائيلي، كما أوردتها وسائل إعلام عربية ودولية، إشارة سياسية لافتة مفادها أن جلالة الملك عبد الله الثاني رفض عقد لقاء مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. دلالة الامتناع عن اللقاء في هذا التوقيت تتجاوز البعد البروتوكولي إلى مستوى الرسائل السياسية المركبة التي تعكس تحولات أعمق في بنية العلاقات الإقليمية، وتؤكد ثبات الموقف الأردني القائم على إدارة متزنة للتفاعلات الإقليمية وفق الثوابت الوطنية العليا.
في منطق العلاقات الدولية، لا يُقرأ الرفض بوصفه غياباً عن المشهد، بل بوصفه حضوراً بصيغة أكثر تأثيراً وعمقاً، حضور يقوم على توظيف “الصمت الدبلوماسي” كأداة ضغط سياسي راشد. فالدول، خصوصاً تلك التي تتمتع بموقع جيوسياسي حساس مثل الأردن، لا تتحرك فقط عبر البيانات الرسمية أو اللقاءات المعلنة، بل عبر إدارة دقيقة لإشاراتها السياسية، بحيث يصبح الامتناع عن الفعل جزءاً من الفعل ذاته. ومن هذا المنظور، يمكن فهم عدم عقد اللقاء باعتباره رسالة سياسية مسؤولة تعكس وضوح الرؤية واتساقها مع الثوابت.
الأردن، بحكم موقعه الجغرافي والديموغرافي ودوره التاريخي في القدس، لا يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها ملفاً خارجياً تقليدياً، بل باعتبارها عنصراً بنيوياً في أمنه القومي واستقراره الداخلي.
لذلك فإن مقاربته للعلاقة مع كيان الإحتلال لطالما اتسمت بما يمكن وصفه بالبراغماتية المشروطة، أي الانخراط السياسي المحكوم بسقف واضح من الثوابت الوطنية، وفي مقدمتها منع التهجير، والحفاظ على الوضع القانوني والتاريخي في القدس، والتقدم نحو حل سياسي عادل يضمن قيام دولة فلسطينية مستقلة. ضمن هذا الإطار، يصبح أي لقاء سياسي رفيع المستوى اختباراً لمعادلة سياسية متكاملة تعكس صلابة الموقف الأردني.
من جهة أخرى، يحمل هذا الموقف رسالة ضمنية إلى الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو بأن أدوات التفاعلات السياسية لم تعد قابلة للفصل عن السياق السياسي العام ومسار الصراع. فالدبلوماسية هنا لا تعمل في فراغ، بل في بيئة إقليمية معقدة تتطلب قراءة دقيقة للواقع السياسي. وقد سبق لجلالة الملك عبد الله الثاني أن عبّر في مقابلة دولية عن عدم ثقته بما يقوله نتنياهو، مؤكداً: "I don’t trust a thing he says"، وهو تصريح يعكس خلاصة تراكمات طويلة من التجربة السياسية والدبلوماسية، ويؤشر إلى فجوة بين الالتزامات المعلنة والسلوك الفعلي على الأرض.
هذا الموقف يعزز النهج الأردني القائم على الحذر السياسي والبراغماتية المشروطة، ويؤكد أن إدارة العلاقة لا تُبنى على الوعود بل على الوقائع.
وعلى المستوى الدولي، يضع هذا التطور الأردن في موقع الدولة التي تدير توازناً دقيقاً بين التزاماتها الاستراتيجية وعلاقاتها مع القوى الكبرى من جهة، وبين ثوابتها السياسية المرتبطة بالقضية الفلسطينية من جهة أخرى. وفي إطار نظريات العلاقات الدولية، يمكن قراءة هذا السلوك ضمن منطق الواقعية السياسية التي تفترض أن الدول تعيد تعريف أدواتها باستمرار وفقاً لمعادلات القوة والمصلحة، مع الحفاظ على الشرعية السياسية والأخلاقية لمواقفها.
إن دلالة هذا الحدث لا تكمن في اللقاء الذي لم يحدث، بل في الرسالة التي وصلت عبر هذا الغياب. فالدبلوماسية الحديثة لم تعد تُقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات المشتركة، بل بقدرة الأطراف على توظيف الحضور والامتناع كأدوات لإعادة تشكيل قواعد التفاوض. وفي الحالة الأردنية، تبدو الرسالة واضحة ومتزنة: لا مسار سياسي حقيقي دون أفق واضح، ولا لقاءات بلا نتائج، ولا دبلوماسية منفصلة عن جوهر الصراع.
في المحصلة، يمكن القول إن ما جرى يعكس انتقالاً نوعياً في إدارة الأردن لعلاقاته الإقليمية، حيث تتحول الدبلوماسية من مساحة تواصل تقليدية إلى أداة ضبط سياسي دقيقة ومسؤولة، تُستخدم فيها الإشارات الصامتة بقدر ما تُستخدم الكلمات، في لحظة إقليمية تتطلب وضوحاً وثباتاً يعزز مكانة الأردن ودوره المحوري في حماية الاستقرار والدفاع عن الحقوق الوطنية والعربية المشروعة.