الفيديو لا يُدين الأردن بل يُدين الحقد السياسي
المحامي الدكتور هيثم عريفج
11-04-2026 11:42 AM
الهجوم على الأردن بسبب المقطع المتداول الذي يظهر لقاءً بين رئيس هيئة الأركان المشتركة اللواء الركن يوسف الحنيطي ورئيس الأركان الإسرائيلي السابق هرتسي هليفي، هو هجوم متسرّع ومضلِّل، لا يقرأ الدولة بعقل الدولة، ولا يفهم معنى أن تكون للأوطان مؤسسات مسؤولة عن حماية حدودها ومصالحها وشعبها. والأهم أن قناة المملكة أوضحت أن المقطع قديم ويُتداول في سياق مضلل، وهو ما يفرض أصلًا قدرًا من التثبت قبل البناء عليه سياسيًا أو أخلاقيًا.
الأردن ليس دولة تعمل في الفراغ، ولا يملك ترف الانفعال الشعبوي في منطقة تشتعل بالنار من كل الجهات. الدولة الأردنية محكومة بواجبات دستورية وسيادية وأمنية، أولها حماية أراضيها وحدودها، وثانيها منع انتقال الفوضى إليها، وثالثها استخدام كل قناة ممكنة لتحقيق ما يخدم مصلحتها الوطنية العليا. وعندما تلتقي جيوش أو قادة عسكريون، سرًا أو علنًا، فذلك لا يعني بالضرورة تحالفًا سياسيًا أو قبولًا أخلاقيًا، بل قد يعني إدارة أزمة، أو منع تصعيد، أو ترتيب ممر إنساني، أو تثبيت اشتباك، أو حماية حدود، أو انتزاع مكسب وطني مباشر. هذه هي لغة الدول، لا لغة الشعارات.
من يعرف تاريخ الصراعات يدرك أن لقاءات الخصوم، حتى في أشد الحروب، ليست استثناءً بل أداة من أدوات إدارة الصراع. بعد حرب أكتوبر 1973، جرت مفاوضات الكيلومتر 101 مباشرة بين مسؤولين عسكريين مصريين وإسرائيليين، ثم أفضت إلى اتفاقات فصل القوات؛ وتوثّق الخارجية الأميركية أن تلك المفاوضات جرت بين 28 تشرين الأول و29 تشرين الثاني 1973، كما تشير الوثائق الرسمية إلى أن اتفاق فك الاشتباك الأول وُقّع لاحقًا في الكيلومتر 101 بعد الحرب. وكذلك شهدت الأزمات بين الهند وباكستان اتصالات منتظمة بين قيادات العمليات العسكرية، بما فيها محادثات بين مديري العمليات العسكرية بعد وقف إطلاق النار في أيار 2025. هذه ليست خيانة في منطق الدول، بل جزء من هندسة الأمن ومنع الانفجار الأوسع.
أما عربيًا، فالتاريخ أوضح من أن يُزوَّر. أنور السادات ذهب بنفسه إلى القدس في تشرين الثاني 1977، وخاطب الكنيست، لأنه رأى أن استعادة سيناء تمر عبر تفاوض مباشر، سواء اتفقنا أو اختلفنا مع خياره السياسي. وياسر عرفات دخل في مسار أوسلو، والتقى إسحق رابين، واعترف كل طرف بالآخر في رسائل متبادلة عام 1993، ثم نشأت السلطة الفلسطينية بموجب هذا المسار. بل إن التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل ظل قائمًا، وتوقف أحيانًا ثم عاد، بحسب الظروف السياسية والميدانية. من ثمّ، فإن تصوير أي لقاء أمني أو عسكري بوصفه سقوطًا أخلاقيًا مطلقًا هو تبسيط طفولي لتاريخ المنطقة كلّه.
الفارق الجوهري هنا أن الأردن لم يستخدم الاتصالات، متى وُجدت، للتفريط بفلسطين، بل استخدم موقعه وقدراته للدفاع عنها عمليًا، وبما أمكن من أدوات الدولة. فالأردن كان من أوائل الدول التي دفعت بقواتها المسلحة في المسار الإنساني تجاه غزة؛ نفّذ إنزالات جوية متكررة للمساعدات، واعترفت تقارير دولية، بينها رويترز، بأن الأردن سبق غيره في هذا المسار وشارك مع شركاء دوليين في إسقاط المساعدات. كما واصل تشغيل مستشفياته الميدانية في القطاع، وأكدت وكالة الأنباء الأردنية أن القوات المسلحة أقامت مستشفى ميدانيًا في جنوب غزة مع بداية الحرب، بينما وثقت رويترز أيضًا تعرض المستشفى الأردني في خان يونس لأضرار من القصف الإسرائيلي في كانون الثاني 2024. أي أن الأردن لم يكتفِ بالخطاب، بل دفع من رصيده العسكري والسيادي والإنساني ثمنًا مباشرًا في سبيل إغاثة الفلسطينيين.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تلتقي الجيوش أحيانًا؟ بل: ماذا حققت هذه اللقاءات للأردن وللفلسطينيين؟ وإذا كان جزء من هذه القنوات قد استُخدم لتسهيل إنزال مساعدات، أو دعم عمل المستشفيات الميدانية، أو تنسيق ترتيبات إنسانية وأمنية تمنع خنق غزة بالكامل أو تحمي الحدود الأردنية من الانزلاق إلى الفوضى، فهذه ليست تهمة على الأردن، بل نقطة تُحسب له. الدولة التي تجلس حين يلزم الجلوس، وتضغط حين يلزم الضغط، وتُدين حين يجب الإدانة، وتُسعف حين يعجز الآخرون، هي دولة تعرف واجبها جيدًا.
ثم إن من يهاجم الأردن من هذه الزاوية يتجاهل حقيقة ثابتة: لم يكن الأردن يومًا متفرجًا على المأساة الفلسطينية. سياسيًا، ظل موقفه من الاحتلال واضحًا، رافضًا للتهجير، رافضًا للوطن البديل، رافضًا لتصفية القضية. وإنسانيًا، واصل حمل المساعدات والمستشفيات والإنزالات. ودبلوماسيًا، لم يتوقف عن المطالبة بوقف العدوان وفتح المعابر وحماية المدنيين. أما الذين يكتفون بالمزاودة على عمّان من وراء الشاشات، فهم لا يرسلون مستشفى، ولا يفتحون معبرًا، ولا يحمون حدودًا، ولا يتحملون كلفة القرار السيادي.
الأردن ليس مطالبًا بأن يشرح لكل من يهوى الصخب كيف يدير أمنه القومي. وليس مطلوبًا منه أن يستأذن أحدًا في الإجراءات التي تحمي أرضه وشعبه وتخدم مصالحه، ما دامت لا تمس ثوابته الوطنية ولا موقفه التاريخي من فلسطين. بل على العكس، من صميم مسؤولية الدولة الأردنية أن تفعل كل ما يلزم لمنع الخطر، واحتواء الضرر، وانتزاع الممكن، وحماية الوطن وسط إقليم تتكاثر فيه الحروب المفتوحة والمشاريع المعادية.