facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




صفحة من كتابي قصة حياتي ومعاناتي (مذكراتي)


د. أحمد عويدي العبادي
11-04-2026 10:09 AM

من مواقف الحسم في جامعة كامبريدج

في نهاية الفصل الدراسي، في شهر حزيران 1980م، تقدّمنا للامتحان التحريري الذي كان يُعدّ من أخطر محطات برنامج الدكتوراه في جامعة كامبردج البريطانية، لأنه لم يكن مجرد اختبارٍ دراسي عادي، بل كان يُمثّل بوابة العبور الحقيقية إلى المرحلة البحثية المتقدمة.

وكان يُعرف في النظام الأكاديمي هناك باسم امتحان ماجستير الفلسفة (M.Phil.)، وهو امتحان يجمع بين عمق المعرفة، والقدرة على التحليل، والاستقلالية في التفكير، وليس مجرد استظهارٍ للمعلومات.

دخلنا الامتحان ونحن ثلاثة عشر طالبًا من خلفياتٍ علمية وثقافية مختلفة وجنسيات وأعراق متعددة، وكلٌّ منا يحمل تصوره عن مستواه واستعداده. وعندما ظهرت النتائج، كانت صادمة في ظاهرها، إذ لم ينجح سوى ثلاثة طلاب فقط، وكنتُ أحدهم، بينما رسب عشرة طلاب، رغم أن كثيرًا منهم كانوا يتفوقون عليّ في اللغة الإنجليزية بطلاقةٍ واضحة.
وهنا، تتجلى دلالة هذه التجربة التي لا يمكن فهمها على أنها نتيجة ظرفٍ عابر، بل هي نتيجة تفاعلٍ عميق بين عدة عوامل، كان في مقدمتها توفيق الله سبحانه وتعالى، الذي كنت أستشعر حضوره في كل خطوة، ثم ذلك الإحساس الداخلي الذي رافقني منذ البداية، وهو ما يمكن تسميته بعقدة نقص اللغة، لكنه في حقيقته لم يكن عائقًا، بل تحوّل إلى محرّكٍ قوي دفعني إلى المواظبة والعمل المتواصل.

لقد كان شعوري بأنني أقلّ من زملائي في اللغة دافعًا لي إلى مضاعفة الجهد، لا إلى التراجع، فكنت أتعامل مع كل كلمة جديدة وكأنها لبنة في بناءٍ أعمل عليه يوميًا، ومع كل ورقة أكتبها كأنها خطوة نحو تثبيت قدمي في هذا المحيط العلمي. وهذا ما جعلني أتعامل مع الدراسة بجديةٍ أعلى، وانضباطٍ أشد، وتركيزٍ لا يتشتت.

في المقابل، يمكن قراءة فشل عدد كبير من الطلبة، رغم تفوقهم اللغوي، من زاويةٍ تحليلية مختلفة، إذ إن امتلاك اللغة بوصفها أداة طبيعية قد يؤدي أحيانًا إلى نوعٍ من الاطمئنان الزائد، أو ما يمكن وصفه بالكسل المعرفي غير المقصود، حيث يُظن أن إتقان اللغة كافٍ لتحقيق النجاح، بينما الحقيقة أن الامتحان لم يكن يقيس اللغة بحد ذاتها، بل كان يقيس عمق الفهم، وقدرة الطالب على التحليل، وربط الأفكار، وتقديم رؤية علمية متماسكة.

كما أن هذا الامتحان لم يكن قائمًا على الإجابة النموذجية، بل على تقييم شامل يشمل مضمون الإجابة، ومنهجية التفكير، ومدى استقلالية الطرح، إضافة إلى تقييم المشرفين لمسار الطالب خلال الفترة السابقة، وهو ما يجعل النجاح فيه نتيجة تراكمٍ طويل، لا لحظة اختبارٍ واحدة.

ومن هنا، يمكن القول إن هذه التجربة كشفت لي حقيقة أساسية، وهي أن التفوق لا يُبنى على الأدوات وحدها، مهما كانت قوية، بل على كيفية توظيفها، وأن النقص، إذا أُدير بوعي، يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة، بينما الامتياز، إذا لم يُدعَم بالجهد، قد يتحول إلى عامل تراجع.

لقد كان نجاحي في هذا الامتحان نقطة تحوّل حقيقية، ليس فقط لأنه أتاح لي الاستمرار في برنامج الدكتوراه، بل لأنه رسّخ في داخلي قناعة عميقة بأن الطريق الذي سلكته، بكل ما فيه من صعوبات، كان الطريق الصحيح، وأن ما بدا في البداية ضعفًا، كان في جوهره أحد أهم أسباب القوة التي قادتني إلى هذا الإنجاز، بفضل الله سبحانه وتعالى.
وفي تأمّلي لهذه المرحلة بعد سنوات، أدركت أن ما عشته في كامبريدج لم يكن مجرد تجربة تعليمية في جامعة عريقة، بل كان إعادة تشكيل كاملة لعلاقتي بالعلم، وبالزمن، وبذاتي. فقد تعلّمت هناك أن العلم ليس معلومات تُجمع، بل هو منهج في التفكير، وطريقة في النظر إلى الأشياء، وانضباط داخلي يُعيد ترتيب الأولويات في حياة الإنسان.
لقد كان الانتقال من بيئة محلية إلى بيئة عالمية انتقالًا في مستوى التحدي، لكنه في الوقت ذاته كان انتقالًا في مستوى الوعي. ففي كامبريدج، لم يكن السؤال: ماذا تعرف؟ بل كيف تفكر؟ ولم يكن المطلوب أن تُثبت أنك درست، بل أن تُثبت أنك قادر على أن تُنتج معرفة جديدة، أو على الأقل أن تقرأ المعرفة قراءة مختلفة. وهذا التحول في طبيعة التقييم هو ما جعل التجربة عميقة الأثر في داخلي.

ومن زاويةٍ أخرى، اكتشفت أن الغربة، على قسوتها الظاهرة، كانت من أعظم العوامل التي ساعدتني على التركيز، إذ تجرّدت من كثير من الانشغالات الاجتماعية، وتفرّغت لما جئت من أجله. لم تكن الغربة مجرد بعدٍ عن المكان، بل كانت حالة من الانفصال المؤقت عن الضجيج، مكّنتني من أن أسمع صوتي الداخلي بوضوح، وأن أرى هدفي دون تشويش.
كما أدركت أن النجاح في مثل هذه البيئات لا يقوم على الذكاء وحده، بل على القدرة على إدارة الذات. فهناك من يملك أدواتٍ علمية قوية، لكنه يفتقر إلى الانضباط، فيتراجع، وهناك من يبدأ من نقطة أبعد، لكنه يمتلك إرادة منظمة، فيتقدم بثبات. وقد كان هذا الفارق واضحًا في تجربتنا، حيث لم يكن التفوق حكرًا على من يملكون اللغة أو الخلفية الأقوى، بل على من أحسنوا توظيف ما لديهم، مهما كان بسيطًا في البداية.

ومن أهم ما خرجت به من تلك المرحلة، أن الإنسان لا يُقاس ببداياته، بل بمسار تحوّله. فقد دخلتُ هذه التجربة وأنا أحمل شعورًا بنقصٍ في اللغة، وخرجتُ منها وأنا أملك قدرة على التفكير والكتابة والمناقشة في بيئةٍ هي من أعلى البيئات العلمية في العالم. وهذا التحول لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة تراكمٍ يومي من الجهد، يؤكد أن الاستمرار أقوى من البداية، وأن الثبات أهم من السرعة.

ثم إنني أدركت بإيمان مطلق أن التوفيق الإلهي لا يأتي بمعزلٍ عن العمل، بل يتنزّل عليه. فكلما ازداد الجهد صدقًا، ازداد التيسير حضورًا، وكأن العلاقة بينهما علاقة تكامل لا انفصال. ولذلك، لم أعد أرى النجاح على أنه إنجاز شخصي خالص، بل أراه مزيجًا من السعي البشري والتقدير الإلهي، حيث يأخذ الإنسان بالأسباب، ويأتي الفتح من عند الله.
وفي سياقٍ أوسع، يمكن قراءة هذه التجربة بوصفها نموذجًا لما يمكن أن يحققه الإنسان حين لا يستسلم للواقع المفروض، بل يعيد تشكيله. فلو أنني توقفت عند القيود الأولى، أو استسلمت لفكرة أن الطريق مغلق، لما وصلت إلى ما وصلت إليه. لكن الإصرار، حين يقترن برؤية واضحة، يتحول إلى قوةٍ قادرة على تغيير المسار.

وهكذا، لم تكن كامبريدج محطة نهاية، بل كانت بداية لمرحلةٍ جديدة، مرحلةٍ انتقل فيها العلم من كونه هدفًا أسعى إليه، إلى كونه أداة أعمل بها، ومن كونه طموحًا شخصيًا، إلى كونه مسؤولية معرفية أحملها. وهنا تحديدًا، يبدأ المعنى الحقيقي للعلم، حين يتحول من إنجازٍ فردي إلى أثرٍ عام.

ومع اقترابي من نهاية هذه المرحلة، بدأت أُدرك أن ما تغيّر في داخلي لم يكن مستوى اللغة أو القدرة الأكاديمية فحسب، بل بنية التفكير ذاتها. فقد تعلّمت أن المعرفة لا تُؤخذ كما هي، بل تُفكَّك وتُعاد قراءتها، وأن النصوص، مهما بلغت قيمتها، لا تكتمل إلا بعينٍ ناقدة تُحسن طرح السؤال قبل البحث عن الجواب.
لقد انتقلتُ من موقع المتلقي الذي يسعى إلى الفهم، إلى موقع الباحث الذي يسعى إلى التفسير، ثم إلى موقع أعمق، وهو موقع من يحاول أن يُنتج معنى جديدًا من خلال الربط بين المعارف، لا مجرد استهلاكها. وهذا التحول هو الذي أعاد تعريف علاقتي بالعلم، فلم يعد هدفًا أن أنجح في الامتحان أو أحصل على الدرجة، بل أن أمتلك القدرة على بناء رؤية.

ومن الزاوية الإنسانية، أدركت أن الاحتكاك بثقافات متعددة لا يُضعف الهوية كما يُخشى أحيانًا، بل يُعيد تشكيلها على نحوٍ أعمق. فقد كنت العربي المسلم الوحيد بين زملائي، لكن هذا لم يكن مصدر عزلة، بل كان مصدر وعي، إذ جعلني أكثر إدراكًا لما أحمله من خلفية حضارية، وأكثر قدرة على تمثيلها بوعيٍ واتزان. وهنا، يصبح الاختلاف ليس عائقًا، بل فرصة لتعريف الذات من خلال الآخر.

كما تعلّمت أن الاحترام في البيئات العلمية لا يُمنح على أساس الخلفية أو الانتماء، بل على أساس الجدية والالتزام والقدرة على الإسهام. فقد كان تقدير الأساتذة والزملاء يتزايد كلما لمسوا الجهد الحقيقي، لا مجرد الادعاء، وهو ما عزّز في داخلي قناعة أن الطريق إلى الاعتراف العلمي يمر عبر العمل الصامت، لا عبر الشعارات.

ومن جهةٍ أخرى، بدأت أرى الزمن بصورة مختلفة، فلم يعد مجرد امتدادٍ للأيام، بل موردًا ينبغي إدارته بدقة. فقد كانت كل ساعة تحمل قيمة، وكل يوم يُمكن أن يكون خطوة إلى الأمام أو إلى الخلف، بحسب ما يُبذل فيه. وهذا الوعي بالزمن هو ما جعلني أتعامل مع سنوات البعثة الثلاث على أنها مشروع متكامل، لا يحتمل الهدر ولا التأجيل.

وفي عمق هذه التجربة، تشكّل لديّ إدراكٌ بأن التحديات التي واجهتها لم تكن طارئة، بل كانت جزءًا من البناء. فالصعوبة في اللغة، والضغط في الدراسة، والقلق من الزمن، كلها لم تكن عوائق منفصلة، بل عناصر متداخلة أسهمت في تشكيل شخصية علمية أكثر صلابة. ولو أُزيلت هذه التحديات، لربما كان المسار أسهل، لكنه بالتأكيد كان سيكون أقل عمقًا.

ثم إنني أدركت أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بلحظة الوصول، بل بما يترتب عليه. فالوصول إلى مرحلة متقدمة في العلم ليس نهاية الطريق، بل بدايته من زاويةٍ أخرى، حيث يتحول العلم إلى مسؤولية، ويصبح على صاحبه أن يردّ جزءًا مما أخذ، لا في صورة معلومات، بل في صورة أثرٍ ممتد.

وهنا، تتضح لي اليوم صورة تلك المرحلة على نحوٍ أكثر اكتمالًا، لم تكن مجرد رحلة شخصية، بل كانت تأسيسًا لمسارٍ فكري، امتد لاحقًا في كتاباتي وأبحاثي، وفي الطريقة التي أنظر بها إلى المجتمع والتاريخ والإنسان. وكأن تلك السنوات لم تكن مرحلة عابرة، بل كانت الجذر الذي نبتت منه كل الفروع التي جاءت بعدها

وعندما أنظر إلى هذه الرحلة في امتدادها الكامل، لا أراها مجرد انتقالٍ من مرحلةٍ إلى أخرى، ولا من مكانٍ إلى مكان، بل أراها مسارًا متدرّجًا من التكوين، صاغته الإرادة، واحتضنه التوفيق، واختبرته التحديات حتى استقام.

لقد بدأت الطريق بحلمٍ بسيط في ظاهره، لكنه عميق في أثره، ثم تحوّل هذا الحلم إلى قرار، والقرار إلى سعي، والسعي إلى صبر، والصبر إلى إنجاز. وفي كل مرحلة، كنت أظن أنني أصل إلى غاية، ثم أكتشف أن ما وصلت إليه ليس نهاية، بل بداية لمرحلةٍ أوسع، وأعمق.

ومع مرور الزمن، أدركت أن الإنسان لا يصنع طريقه وحده، كما لا يُقاد إليه دون سعي، بل هو يقف دائمًا في منطقة التلاقي بين الإرادة البشرية والتقدير الإلهي. يأخذ بالأسباب بكل ما يستطيع، ثم يترك لما كُتب له أن يتحقق في اللحظة التي يقدّرها الله، لا في اللحظة التي يتعجلها هو.

لقد تعلّمت أن الطريق الصعب ليس علامة على الخطأ، بل قد يكون دليلًا على أن الإنسان يسير في الاتجاه الذي يستحق، وأن العقبات ليست دائمًا عوائق، بل كثيرًا ما تكون أدوات بناء، تُهذّب الإرادة، وتختبر الصدق، وتُعيد ترتيب الداخل قبل أن تفتح الخارج.

كما أدركت أن ما يُمنح للإنسان ليس كله عطاءً ظاهرًا، فبعض المنع يحمل في داخله توجيهًا، وبعض التأخير يحمل في طيّاته إعدادًا، وأن التوقيت في حياة الإنسان ليس خاضعًا لرغبته وحدها، بل لحكمةٍ أوسع، لا تتكشف إلا بعد أن يمضي الطريق.

وهكذا، لم تكن رحلتي إلى كامبريدج مجرد قصة نجاحٍ أكاديمي، بل كانت تجربةً وجودية متكاملة، أعادت تشكيل نظرتي إلى العلم، وإلى نفسي، وإلى الحياة. فقد خرجت منها لا بشهادةٍ فحسب، بل برؤية، ولا بإنجازٍ شخصي فقط، بل بإحساسٍ أعمق بالمسؤولية، تجاه العلم الذي حملته، وتجاه المجتمع الذي أنتمي إليه.

وفي نهاية المطاف، لا أملك إلا أن أقول، الحمد لله الذي هداني لهذا، وما كنت لأهتدي لولا أن هداني الله، فهو الذي فتح الطريق، وهو الذي يسّره، وهو الذي أعان على سلوكه، حتى بلغ ما بلغ. فله الحمد أولًا وآخرًا، ظاهرًا وباطنًا، على ما أعطى، وعلى ما منع، وعلى ما كتب من مسارٍ لم يكن لي أن أختاره أفضل مما كان.





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :