facebook
twitter
Youtube
Ammon on Apple Store
Ammon on Play Store
مواعيد الطيران
مواعيد الصلاة
rss
  • اخر التحديثات
  • الأكثر مشاهدة




"حضارة ستُمحى" .. ترامب يتحدث بلغة لا تعرف السياسة


سمير حمدان - بودابست
12-04-2026 09:10 AM

* حين يقول رئيس دولة عظمى “ستنتهي حضارة” العالم أمام أخطر انزلاق لغوي

لم تعد البداية تُكتب بجملة تقليدية، بل بصوت مرتفع يقترب من الصدمة، حين يقف رئيس دولة عظمى ليستخدم مفردات لا تشبه السياسة ولا تمت إلى الدبلوماسية بصلة، تهديدات علنية بمحو حضارات، لغة تقترب من أقصى حدود العنف الرمزي، تصريحات تتجاوز الردع إلى التلويح بالفناء، وفي موازاة ذلك أفعال وخيارات تُقرأ في سياق أوسع، دعم غير مشروط لحروب مفتوحة، صمت أو تبرير لانتهاكات قاسية، تصعيد يلاحق خطابًا يتقاطع مع مناخ عالمي مشحون بالاستقطاب، وتحذيرات موجهة حتى إلى الحلفاء، بلغة لا تبحث عن التفاهم بقدر ما تفرض الإيقاع.

خلال سنة ونصف من حضور دونالد ترامب في قلب القرار، لم يكن الجدل محصورًا في السياسات أو التحركات العسكرية، بل في التحول العميق في طبيعة الخطاب، إذ لم تعد الدبلوماسية تُمارس بلغة التوازن والغموض المدروس، بل بلغة مباشرة، حادة، وأحيانًا صادمة، تتجاوز الأعراف وتكسر قواعد طالما حكمت العلاقات الدولية لعقود، وهو ما رصدته تحليلات غربية أشارت إلى أن الخطاب الأمريكي لم يعد يُبنى على مؤسسات، بل على إيقاع شخصي سريع ومتقلب.

في هذا السياق، برزت التصريحات المتعلقة بإيران كأحد أخطر مظاهر هذا التحول، حيث تم تداول عبارات تحمل تهديدًا واسع النطاق، من بينها التحذير من أن حضارة كاملة قد تختفي إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق، وهي صياغة لا تقف عند حدود الردع التقليدي، بل تلامس مفاهيم أكثر خطورة كالتدمير الشامل أو حتى الإبادة، وهو ما يجعلها ليست مجرد رسالة سياسية، بل إشارة مفتوحة على سيناريوهات قصوى لا يمكن التقليل من أثرها.

هذا النوع من الخطاب قد يُفهم في سياق الضغط الاستراتيجي، لكنه في الوقت ذاته يخلق بيئة مشحونة، حيث يصبح التصعيد أسهل من التهدئة، وسوء الفهم أكثر احتمالًا، لأن الرسائل لم تعد قابلة للتأويل الهادئ، بل تُقال بوضوح صادم يختصر المسافات بين التهديد والفعل، وهنا تحديدًا تكمن الخطورة التي حذرت منها تقارير صادرة عن مجلس العلاقات الخارجية، والتي ربطت بين التصعيد اللفظي وارتفاع احتمالات سوء التقدير في النزاعات الكبرى.

تحليلات أخرى صادرة عن معهد بروكينغز ذهبت إلى أن هذا التحول لا يتعلق فقط بحدة اللغة، بل بطبيعة التفكير السياسي نفسه، حيث تميل القرارات إلى منطق الصفقة والاندفاع بدل الحسابات المؤسسية، وهو ما يعني أن العالم لم يعد يواجه سياسة يمكن توقعها، بل مزاجًا سياسيًا يصعب ضبطه، وهذا بحد ذاته عنصر عدم استقرار.

وفي نقاشات مطروحة في برامج تحليلية وبودكاستات سياسية غربية، تكررت فكرة أن السياسة حين تُدار بعقلية الصفقة تفقد قدرتها على إدارة المخاطر، وهي ملاحظة تلتقي مع ما يطرحه منظّرون في العلاقات الدولية مثل جون ميرشايمر، الذي يرى أن القوى العظمى حين تتخلى عن حسابات التوازن لصالح ردود الفعل فإنها لا تعزز الردع بل تفتح الباب أمام الفوضى.

هذا التوصيف التحليلي يلتقي مع نبرة أكثر حدّة في كتابات صحفيين مثل كريس هيدجز، الذي يرى أن الانحدار في الخطاب السياسي ليس مجرد تغير في الأسلوب، بل انعكاس لتراجع أخلاقي أعمق، حيث تصبح القوة مبررًا بحد ذاتها، لا أداة تُضبط ضمن قواعد.

أما التغطيات الصحفية، كما في الغارديان، فقد ركزت على تصاعد القلق داخل الغرب نفسه من هذا النوع من الخطاب، ليس فقط بسبب حدّته، بل بسبب غياب اليقين الذي يخلقه، حيث يصبح الحليف نفسه غير قادر على التنبؤ بالخطوة القادمة.

لكن ما تقوله هذه التحليلات بلغة باردة، تقوله الوقائع بلغة أكثر قسوة، لأن التهديد حين يُقال بهذا الوضوح، لا يبقى مجرد احتمال نظري، بل يتحول إلى جزء من حسابات الخصوم، وهنا لا تعود المشكلة في نوايا الفعل، بل في تأثير الكلمة نفسها، لأن الكلمة حين تلامس حدود الفناء، فإنها تغيّر طريقة تفكير الآخرين، وتجبرهم على الاستعداد لأسوأ الاحتمالات.

هذا التداخل بين لغة التهديد ومنطق الصفقة لا يعيد تعريف القوة فقط، بل يفرغها من معناها، لأن القوة التي لا تضبط نفسها تتحول من أداة استقرار إلى مصدر قلق، ومن ضمانة للنظام إلى عامل اختلال فيه، وهنا لا تعود المشكلة في الخصوم، بل في الطريقة التي تُدار بها القوة نفسها.

الأخطر أن هذه اللغة لا تبقى داخل حدود التصريحات، بل تنتقل إلى الأسواق، إلى الأمن، إلى وعي الشعوب، لأن العالم اليوم مترابط إلى درجة أن أي خلل في الخطاب يمكن أن يتحول إلى خلل في الواقع، وهنا يصبح التهديد ليس مجرد جملة، بل بيئة كاملة من القلق وعدم اليقين.

المشكلة لم تعد في ما يقوله دونالد ترامب، بل في أن أحدًا لم يعد قادرًا على إيقافه.

هنا لا يصبح النقد ترفًا، بل ضرورة، لأن ترك الخطاب ينزلق نحو هذا المستوى من التطرف والتقلب، وتحويل القرارات إلى انعكاس لحس تجاري ومصالح آنية، لا يهدد الخصوم فقط، بل يهدد فكرة الدولة نفسها، ويضع الولايات المتحدة أمام اختبار لم تعرفه منذ عقود، هل تُدار كقوة عظمى وفق مؤسساتها، أم كمنصة قرارات آنية تحكمها ردود الفعل.

وحين تعجز مؤسسة بحجم الدولة الأمريكية، وعلى رأسها الحزب الجمهوري، عن ضبط هذا المسار، فإن الخطر لا يكون في تهديد حضارة ستُمحى فقط، بل في عالم يتعلم تدريجيًا أن هذا الخطاب ممكن، وأن استخدامه لا يكلّف، وأن التهديد يمكن أن يتحول في أي لحظة إلى فعل.

وعندها، لن يكون السؤال من سيبدأ، بل من سيدفع الثمن، ومن سيتبقى ليروي كيف بدأت النهاية .





  • لا يوجد تعليقات

تنويه
تتم مراجعة كافة التعليقات ،وتنشر في حال الموافقة عليها فقط.
ويحتفظ موقع وكالة عمون الاخبارية بحق حذف أي تعليق في أي وقت ،ولأي سبب كان،ولن ينشر أي تعليق يتضمن اساءة أوخروجا عن الموضوع المطروح ،او ان يتضمن اسماء اية شخصيات او يتناول اثارة للنعرات الطائفية والمذهبية او العنصرية آملين التقيد بمستوى راقي بالتعليقات حيث انها تعبر عن مدى تقدم وثقافة زوار موقع وكالة عمون الاخبارية علما ان التعليقات تعبر عن أصحابها فقط .
الاسم : *
البريد الالكتروني :
اظهار البريد الالكتروني
التعليق : *
بقي لك 500 حرف
رمز التحقق : تحديث الرمز
أكتب الرمز :